نجاسة المشركين ليست نجاسة حسية ، والتعبير عنهم في القرآن بأنهم نجس فالمقصود به نجاسة الاعتقاد لشركهم ، وهذا هو رأي جمهور العلماء . أما من كان يعتقد أن ملابسه قد أصابتها نجاسة من ملابس جاره غير المسلم مثلا فهذا غير صحيح .
هل نجاسة الكفار معنوية أم حسية؟
يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي :
نجاسة المشركين نجاسة معنوية ، إلا أنه قد ذهب بعض الفقهاء – مثل الظاهرية – إلى أن المشركين والكفار نجسون نجاسة شرعية حسية ، مستدلين بقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )سورة التوبة:28. فحملوا النجاسة في الآية على ظاهرها ، فقد صرحت الآية في شأن المشركين بأنهم نجس ، والأصل هو حمل الألفاظ على الحقيقة ، ولا تحمل على المجاز إلا بقرينة تصرف اللفظ عن حقيقته .
ولكن – كما قال الشوكاني – ورد ما يدل على أن هذه النجاسة ليست النجاسة الحسية ، بل النجاسة الحكمية ، ومن ذلك أنه ـ ﷺ ـ لما أنزل ثقيفا المسجد قيل يا رسول الله : أتنزلهم المسجد وهم نجس ؟ فقال ـ ﷺ ـ : “ليس على الأرض من أنجاس القوم شيء ، إنما أنجاس القوم على أنفسهم .
ومن ذلك ما ثبت في الصحيح من أمره ـ ﷺ ـ لأصحابه أن يشربوا ويتوضأوا من مزادة (إناء) لمشركة . ومن ذلك أكله ـ ﷺ ـ لطعام المشركين وتسويغه لوطء المشركات المسبيات قبل إسلامهن ، وغير ذلك.
ما المراد بالشرك وما المراد بالنجاسة؟
يقول الدكتور خالد محمد عبد القادر أستاذ الشريعة بالجامعات اللبنانية :
الأصل في ذلك قوله تعالى : (إنما المشركون نجس)التوبة:28.
فما المراد بالشرك؟ وما المراد بالنجاسة هنا؟
اختلف الفقهاء في المشرك على فريقين :
الأول : وهم الجمهور، قالوا : المراد بالمشرك في الآية هو : كل عابد وثن أو صنم. قال الإمام مالك : ولكن يُقاس عليه جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم.
الثاني : وهو مذهب الشافعي، أن الآية عامة في جميع الكفار، وهو قول ابن عمر وجابر بن عبد الله من الصحابة رضوان الله عليهم، ونصره ابن حزم الظاهري.
وأما النجاسة، فقد ذهبت جماهير العلماء إلى أن المقصود بقوله تعالى : (نجس)، إنما هي النجاسة المعنوية، أي نجس في الاعتقاد والدين، أو أنهم أشرار خبثاء، أو هي من باب التشبيه البليغ.
وذهب الإمام مالك، والرازي، والألوسي، وأهل الظاهر، إلى أن الكافر (كل كافر) نجس العين.
وأرى أن ما ذهب إليه الجمهور هو الراجح، لما يلي :
أولاً : إباحة الله نكاح الكتابيات للمسلمين، ومعلوم أن ملامستهن وعرقهن لا يسلم منه أزواجهن، وكذا أثاث المنزل ولباس الزوج وغيره. ومع ذلك لم يوجب الشرع من غسلٍ إلا ما أوجبه من غسل من كانت تحته مسلمة.
ثانيًا : إباحة طعام أهل الكفر قاطبة إلا الذبائح، فإنها مقتصرة على أهل الكتاب، ومعلوم أن الطعام لا يسلم من مسهم ومعالجتهم إياه، فلو كانت أعيانهم نجسة حسية للزم منه أن ينجس كل ما يلمسونه، ولاستحال طعامهم إلى خبيث مستقذر فيحرم.
وقد قال تعالى : (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) الأعراف:157.
وقد صح أن النبي صلى الله عليه و سلم أكل طعامهم، واستعمل أوانيهم، وقبل هداياهم، فعن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ وأصحابه استعملوا مزادة امرأة مشركة.
فالحديث يدل على طهارة المشرك، لأن المرأة قد باشرت المزادة، وقد صح عن عمر رضي الله عنه أنه توضأ من بيت نصرانية، وقيل من جرة، بدل بيت، وكذلك فإن حذيفة استسقى فسقاه مجوسي.
ثالثًا : لو صحت نجاستهم لاستفاض بين الصحابة نقل ذلك. والعادة في مثـل ذلك تقضـــي بالاستفاضـــة، فـإذا علمنا هــذا، قلت : لم يصح -مما وقفت عليه- عن النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ ولا عن صحابته خبر واحد من القول بنجاسة المشركين، على المعنى الذي قال به الإمام مالك ومن وافقه.
نخلص من هذا كله إلى أن الكافر طاهر العين والبدن (إن لم تكن عليه نجاسة حسية)، نجس في الاعتقاد والدين، وقد ورد في ذلك إجماع.
ويترتب على ذلك :
أولاً : طهـــارة ســؤره، وهــو المــاء الذي يبقيـه الشـارب فــي الإنــاء، وجمعها (أسآر).
ثانيًا : طهارة ثيابه وما ينسجه.