يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في كتاب فقه الطهارة :
الجبيرة: ما يشد على الكسر أو الجرح أو عصابة، أو مادة بلاستيكية أو خشبية، أو غير ذلك.
وأشهر الجبائر العلاجية في عصرنا: جبيرة (الجبس) الذي اعتمده الأطباء في جبر الكسور وعلاجها.
والأصل في هذا: ما رواه أبو داود بسنده عن جابر قال: ” خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم فسأل أصحابه قال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: لا نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء! فاغتسل، فمات فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبرناه بذلك، فقال: قتلوه، قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصر أو يعصب ـ شك موسى ـ على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده.
وموضع الشاهد في الحديث: قوله: ” ويعصر ـ أو يعصب ـ على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها… الحديث.
-ما رواه البيهقي بسنده إلى ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يقول: “من كان له جرح معصوب عليه: توضأ ومسح على العصائب، ويغسل ما حول العصائب.
وذكر بإسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما: “أنه توضأ وكفه معصوبة فمسح على العصائب وغسل سوى ذلك ـ ثم قال هو عن ابن عمر صحيح.
أقوال التابعين في حكم المسح على الجبيرة؟
مما يستأنس به هنا: ما جاء عن فقهاء التابعين من إجازة المسح على الجبيرة. من ذلك:
-ما رواه البيهقي بإسناده إلى سليمان التيمي قال: سألت طاوسا عن الخدش يكون بالرجل فيريد الوضوء، أو الاغتسال من الجنابة، وقد عصب عليه خرقة؟ فقال: إن كان يخاف فليمسح على الخرقة، وإن كان لا يخاف فليغسلها.
-وروى أيضا بسنده إلى هشام بن حسان: أن رجلا أتى الحسن ـ أي البصري ـ فسأله وأنا أسمع، فقال: انكسرت فخذه، أو ساقه، فتصيبه جنابة؟ فأمره أن يمسح على الجبائر.
-وبسنده أيضا إلى إبراهيم النخعي: أنه أفتى بالمسح على الجبيرة وقال: إن الله تعالى يعذر بالمعذرة.
-يؤكد ذلك: ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء في رجل مكسور اليد معصوب عليها، قال: “يمسح العصابة وحسبه … إنما عصاب يده بمنزلة يده”.
وقد ذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابهما وأحمد وإسحاق إلى القول بجواز المسح على الجبائر، مستدلين بحديث صاحب الشجة، وبما جاء عن الصحابة، وبخاصة ما جاء عن ابن عمر، وصححه البيهقي وغيره. وأيد ذلك أقوال التابعين الذين أفتوا بجوازه، مثل: طاوس، وعطاء، والحسن، وبعدهم النخعي.
وقال الشافعي في أحد قوليه: بُعيد كل صلاة صلاة؛ لأن الله تعالى أمر بالغسل، ولم يأت به. وهو تشديد منه رضي الله عنه، وقد قال تعالى في آخر آية الطهارة: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) المائدة: 6. قالوا: ولأنه مسح على حائل أبيح له المسح عليه، فلم تجب معه الإعادة كالخف.
القدر المجزئ في المسح على الجبيرة؟
اختلف أهل العلم في القدر المجزئ في المسح على الجبيرة على ثلاثة أقوال.
1- أنه يجب مسح جميع الجبيرة، وهو مذهب المالكية، وأصح الوجهين عند الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة.
لأنّ المسح على الجبيرة بدل عن غسل العضو، وإذا كان يجب تعميم العضو بالغسل لو كان صحيحًا، وجب تعميمه بالمسح.
2- أن يمسح على أكثرها إقامة للأكثر مقام الكل، وهو مذهب الأحناف.
3- أنه يكفي المسح على بعضها كالمسح على الخفين، وهو قول بعض الشافعية.
وأقرب الأقوال، والله أعلم: أن الواجب المسح على الجبيرة كلها، لأن الأصل غسل العضو كله، فما عجز عن غسله، وانتقل المسح، لزمه مسح العضو كله بالماء؛ لأنه المقدور عليه، والممكن له، والميسور لا يسقط بالمعسور.
-والمسح على الجبيرة، عند القائل به: ليس من باب المسح على الخفين، فإذا أمكن المسح على الجبيرة كلها، أعلاها وأِسفلها، من غير ضرر وجب ذلك.
-وإن كان المسح من أسفل يضر بالجرح، أو يضر بالجبيرة، كما ذكر الطبيب: كفاك أن تمسح على الأعلى، لأنه الممكن لك. وقد قال الله تعالى: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) التغابن/16.