يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
شهر رمضان، شهر البر والإحسان، شهر البركة والقرآن، شهرٌ جمع الله سبحانه وتعالى فيه من الخير ما لا يدور بالحسبان.
ولئن فارقنا شهر رمضان فإن الخير باقٍ، وإن العبادة باقية، والله سبحانه وتعالى لم يجعل لعمل المؤمن غايةً إلا الموت؛ قال سبحانه وتعالى: ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ )الحجر/99، وقال سبحانه وتعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ )فصلت/30.
فالاستقامة مطلوبة من العبد إلى حين خروجه من الدنيا، وهو ما أوصى به النبي ﷺ؛ فقد سأله سفيان بن عبد الله الثقفي قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، قُلْ لي في الإسلامِ قَولًا لا أسألُ عنه أحَدًا بَعدَك، وفي حَديثِ أبي أُسامةَ: غَيرَك، قال: قُل: آمَنتُ باللهِ، ثمَّ استَقِمْ”.رواه مسلم.
فهو عليه الصلاة والسلام يبيّن أن الإيمان والاستقامة هي عمل أهل الإسلام دائمًا وأبدًا.
على أن الناس على فراق رمضان كانوا على طائفتين:
1 – طائفة حزنت وبكت على أيامه ولياليه، حزنت وبكت على ليالي الطاعة والقيام والقرآن، حزنت على فراق أيام الصيام، وتسأل الله عز وجل أن يعيد عليها شهر البركة أعوامًا عديدة وأزمنةً مديدة.
2 – طائفة أخرى كانوا يستثقلون أيامه ويستطيلون ساعاته، ويتمنون لو أنه انقضى وانتهى حتى يعودوا إلى ما تعودوا عليه من الشهوات والملذات، وربما الوقوع في المعاصي والذنوب والخطايا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهؤلاء لم يعرفوا قدر هذا الشهر ولم يثمنوا ما جعل الله تعالى فيه من الخير والسرور والسعادة والحبور لأهله في الدنيا والآخرة.
انتهى موسم الطاعة وبقي الطريق إلى الله مفتوحا؟
إن كان شهر رمضان قد انتهى وانقضى، فإن الله عز وجل قد جعل من الفرائض والسنن ما نتقرب به إليه على مر الزمان.
ولا يزال العبد يتقرب إلى الله حتى يحبه، كما قال ﷺ فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: من عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربةِ ، وما تقرب إليّ عبدي بمثلِ أداءِ ما افترضته عليه ، ولا يزالُ عبدي يتقربُ إليّ بالنوافلِ حتى أحبَّه ، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمعُ به وبصرَه الذي يُبصِرُ به ويدَه التي يَبطشُ بها ورجلَه التي يمشي بها ، فبي يسمعُ وبي يُبصرُ وبي يَبطشُ وبي يمشي ، ولئن سألني لأُعطينه ولئن استعاذني لأُعيذنه “رواه البخاري.
لا يزال العبد يتقرب إلى الله حتى يحبه، وإذا أحبه أيّده.. إذا أحبه الله عز وجل أيّده وأعانه وحفظه، حفظه من الخطايا والذنوب، وكان معه سبحانه وتعالى يدفع عنه الشر والبلاء والفتن بإقباله دومًا على الله سبحانه وتعالى.
فضائل الصيام طوال العام؟
من حزن على أيام الصيام، فإن الله سبحانه وتعالى جعل له من المواسم خلال العام ما يتقرب به إليه بهذه العبادة الجليلة:
1 – أولها بعد شهر رمضان صيام الست من شوال؛ قال ﷺ: “مَن صامَ رَمَضانَ ثُمَّ أتبَعَه سِتًّا مِن شَوَّالٍ كانَ كَصيامِ الدَّهرِ” رواه مسلم.
2 – ثم يتلوها بعد ذلك أيام العشر من ذي الحجة التي يقول النبي ﷺ فيها: “ما من أيَّامٍ العملُ الصَّالحُ فيهنَّ أحبُّ إلى اللهِ من هذه الأيَّامِ العشرِ . قالوا : يا رسولَ اللهِ ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ إلَّا رجل خرج بنفسِه ومالِه فلم يرجِعْ من ذلك بشيءٍ”البخاري.
3 – ثم يوم عرفة الذي يقول النبي ﷺ فيه: “صِيامُ يومِ عَرَفَةَ، إِنِّي أحْتَسِبُ على اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السنَةَ التي قَبلَهُ، والسنَةَ التي بَعدَهُ، وصِيامُ يومِ عاشُوراءَ، إِنِّي أحْتَسِبُ على اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السنَةَ التِي قَبْلَهُ”مسلم.
4 – صيام أيام المحرم التي هي من أحب الصيام إلى الله عز وجل بعد صيام الفريضة.
5 – جعل الله عز وجل موسمًا أسبوعيًا: صيام الإثنين والخميس، تُرفع في هذين اليومين الأعمال إلى الله عز وجل.
6 – صيام ثلاثة أيام البيض التي كان النبي ﷺ يحرص على صيامها.”أنه كان يأمرُ بصيامِ البِيضِ : ثلاثَ عشرةَ ، وأربعَ عشرةَ ، وخمسَ عشرةَ ، ويقولُ : هو كصومُ الدهرِ ، أو كهيئةِ صومِ الدهرِ”ابن ماجة،أبو داود، النسائي.
فضل قيام الليل وصلاة الجماعة؟
1- لئن كان قيام رمضان قد انقضى، فإن صلاة الليل هي عادة الصالحين في أمتنا والأمم من قبلنا؛ قال عز وجل: ( إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ )الذاريات/16-18.
-ذكر الله سبحانه وتعالى عنهم قيام الليل واستغفارهم بالأسحار، وهو وقت السحر قبيل الفجر، الوقت الشريف الذي ينزل فيه ربنا إلى السماء الدنيا فيقول: كما قال النبي ﷺ: “….فإذا مَضى ثُلُثُ اللَّيلِ الأوَّلُ، هَبَطَ الربُّ جَلَّ ثناؤُه إلى سَماءِ الدُّنيا، فلم يَزلْ هنالك حتى يطلُعَ الفَجرُ، يقولُ قائِلٌ: ألَا سائِلٌ يُعطى، ألَا داعٍ يُستجابُ له، ألَا سَقيمٌ يَستَشْفي فيُشْفى، ألَا مُذنِبٌ يَستغفِرُ فيُغفَرُ له؟”أحمد،البخاري،مسلم.
-وقال ﷺ: “عليكُم بقيامِ اللَّيلِ ، فإنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحينَ قبلَكُم ، و قُربةٌ إلى اللهِ تعالى ومَنهاةٌ عن الإثمِ و تَكفيرٌ للسِّيِّئاتِ ، ومَطردةٌ للدَّاءِ عن الجسَدِ” دأبهم يعني عادتهم، هو عادة الصالحين من الأمم قبلنا، هو عادتهم، لم يكونوا يقطعون هذه العادة ولا يتركونها، فإنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحينَ قبلَكُم ، و قُربةٌ إلى اللهِ تعالى ومَنهاةٌ عن الإثمِ و تَكفيرٌ للسِّيِّئاتِ” رواه الترمذي.
-هو قربة إلى الله تتقرب بها العبد إليه، وهو مكفرة للسيئات يكفر الله عز وجل بصلاة ركعتين في جوف الليل عنك سيئاتك أيها المسلم، وهو مما ينهاك عن الإثم في النهار أو في الليل والنهار.
2-وأعظم من ذلك.. وأعظم من ذلك أن تصلي الصلوات حيث يُنادى بها في بيوت الله عز وجل؛ قال ﷺ: “مَن صلى العشاءَ في جماعةٍ كأنما قام نصفَ ليلةٍ ، ومَن صلى الصبحَ في جماعةٍ فكأنما صلى الليلَ كلَّه”مسلم.
-هذا فضل الفريضة.. هذا فضل الفريضة في جماعة، فلا تكسل عن هذا الواجب الذي أوجبه الله عليك.
المداومة على الصدقة وتلاوة القرآن؟
1- من تعود البذل والعطاء والجود والسخاء في شهر الجود، في شهر رمضان، في شهر الزكاة والصدقة، فلا تقطع هذه العادة الطيبة.. لا تقطع هذه العادة الطيبة بقية شهور السنة، وكن ممن ينفق سرًا وجهرًا، كن ممن ينفق ماله طيبةً بها نفسه يجود بها على عباد الله، فإن هذا بابٌ من أبواب الرزق العظيمة؛ قال ﷺ: “ما مِن يَومٍ يُصبِحُ العِبادُ فيه إلَّا مَلَكانِ يَنزِلانِ، فيَقولُ أحَدُهما: اللهُمَّ أعطِ مُنفِقًا خَلَفًا، ويقولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أعطِ مُمسِكًا تَلَفًا”مسلم.
2 – وهكذا قراءة القرآن، فإن النبي ﷺ لما أوصى عبد الله ابن عمرو بكتاب الله عز وجل قال له: “اقرَأِ القُرآنَ في كُلِّ شَهرٍ، قال: قُلتُ: إنِّي أجِدُ قوَّةً، قال: فاقرَأْه في عِشرينَ لَيلةً، قال: قُلتُ: إنِّي أجِدُ قوَّةً، قال: فاقرَأْه في سَبعٍ ولا تَزِدْ على ذلك”البخاري،مسلم.
-فلا ينبغي للمسلم أن يهجر كتاب الله سبحانه وتعالى، فإن هذا من الذنوب التي يشكوها رسول الله ﷺ إلى ربه: ( وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا )الفرقان/30.
-لا تهجر أيها المسلم كتاب الله، لا تجعل كتاب الله نسيًا منسيًا، لا تنشغل عنه باللغو.. وباللغو وبما لا ينفع من القيل والقال، لتكن لك حصة يومية من كتاب الله، احضر مبكرًا إلى بيوت الله واقرأ ما تيسر لك حتى تقام الصلاة، ليكن هذه عادتك وهذا عملك، ولا تقطعن هذه العادة الطيبة الجميلة.
الحذر من الاغترار بالعمل وخوف حبوطه؟
-إن المؤمن إذا قدّم عملًا صالحًا فإنه يرجو أن يقبله الله سبحانه وتعالى، فهو على وجل وعلى خوفٍ من حبوط العمل، لا يدري هل يقبل الله منه أم أن عمله داخله شيءٌ من مبطلات الأعمال ومفسداتها؛ قال عز وجل: ( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ )المؤمنون/60.
قالت عائشة: يا رَسولَ اللَّهِ ( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ) أَهوَ الَّذي يَزني ويَسرِقُ، ويَشرَبُ الخمرَ ؟ قالَ: لا، يا بِنتَ أبي بَكْرٍ أو يا بِنتَ الصِّدِّيقِ ولَكِنَّهُ الرَّجلُ يَصومُ، ويتَصدَّقُ، ويُصلِّي، وَهوَ يَخافُ أن لا يُتقبَّلَ منهُ”الترمذي،ابن ماجه.
قال ابن عمر رضي الله عنهما: “لو علمت أن الله عز وجل يقبل مني هذه السجدة لتمنيت أن يقبضني عليها؛ لأن الله تعالى يقول: ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ )-المائدة/27.
-لا يجوز للإنسان أن يغتر بعمله، ولا يجوز للإنسان أن يستكثر طاعته وعبادته؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: ( وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ )المدثر6. لا تظن أنك قد أكثرت من العمل فإن هذا يدعوك إلى التكاسل، يدعوك إلى التواني، يدعوك إلى الاتكال على ما قدمت من عمل صالح.
الرسول ﷺ كما في الصحيح يقول لأصحابه: “لَن يُدخِلَ أحَدًا عَمَلُه الجَنَّةَ. قالوا: ولا أنتَ يا رَسولَ اللهِ؟ قال: لا، ولا أنا، إلَّا أن يَتَغَمَّدَني اللهُ بفَضلٍ ورَحمةٍ؛ فسَدِّدوا وقارِبوا”البخاري،مسلم.
الرسول ﷺ يقول لأمته: “اعلموا أنكم لا تدخلون الجنة بمجرد أعمالكم”، إنما هو سبب.. هو سببٌ لدخول الجنة بعد توفيق الله، بعد قبول الله لهذا العمل على ما فيه من تقصير ومن كسل ومن سهو، لا يخلو عمل العبد من الخطأ، من النقص، من السهو، فيحتاج إلى رحمة الله حتى يدخل جنة الله سبحانه وتعالى”.
-فإياك.. إياك من الاغترار، واحذر من هذا الغرور الذي هو سبب للتكاسل عن الأعمال الصالحة؛ قال علي رضي عنه: “كونوا لقبول العمل أشد منكم اهتمامًا بالعمل، ألم تسمعوا أن الله تعالى يقول: ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ )المائدة/27.
واعلم أيها المسلم أن الاستقامة مطلوبة إلى أن يتوفاك الله عز وجل، وتخرج على التقوى وعلى العمل الصالح؛ قال تعالى( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )آل عمران/102 أي لا يأتيكم الموت إلا وأنتم على الإسلام وأنتم على الإيمان والعمل الصالح.