يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
إن عقد النكاح هو العقد الموثق الذي سماه ربنا ميثاقاً غليظاً، هكذا سمى ربنا سبحانه وتعالى عقد النكاح بين الزوجين قال تعالى: ( وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً )النساء/21. هذا الميثاق الغليظ الذي يتهاون به بعض الأزواج، ويتساهل فيه كثير من المسلمين والمسلمات، فيفسخون عقد النكاح أو يفارقون الأزواج لأتفه الأسباب، حتى صار الفراق والطلاق ملعبة عند كثير من الرجال والنساء، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
-فإن أمر الطلاق أمر عظيم، والله تبارك وتعالى ما أحله لهذه الأمة إلا توسعة عليها، فالطلاق يكون حلاً لكثير من المعضلات الزوجية، إذا عُدمت الحياة الأسرية المطمئنة، أو تضاءلت فرص نجاح الزوجية، عند ذلك يلجأ الرجل إلى الطلاق.
-وأما أن يظن بعض الأزواج أن الطلاق يدل على الرجولة، أو تظن بعض النساء أنها ليست بحاجة لهذا الزوج فعندها ما يغنيها ويكفيها، فهذا تهاون بأمر عظمه الله.
فقد جاء عن رسولُ اللهِ – صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم قال : “أيُّما امرأةٍ سألَتْ زوجَها طلاقَها في غيرِ ما بَأْسٍ ؛ فحرامٌ عليها رائِحَةُ الجنةِ” رواه أبو داود،ابن ماجة،أحمد. إذا سألت الزوجة زوجها الطلاق في غير ما بأس، وإذا كان لا يوجد سبب؛ فالزوج ينفق عليها، ويعاشرها بالمعروف، ولا يهجرها، ولا يسيء عشرتها، ولكن يوجد فيه بعض الأخطاء كبقية الناس.
أن الفراق أحب إلى الشيطان من قتل النفس؛ ورد في صحيح مسلم “إنَّ إبليسَ يضعُ عرشَه على الماءِ ، ثم يبعثُ سراياه ، فأدناهم منه منزلةً أعظمَهم فتنةً ، يجيءُ أحدُهم فيقولُ : فعلتُ كذا وكذا ، فيقولُ ما صنعتَ شيئًا ، ويجيءُ أحدُهم فيقولُ : ما تركتُه حتى فرَّقتُ بينَه وبين أهلِه ، فيُدْنِيه منه ، ويقولُ : نعم أنتَ !”. انظر كيف أن فراق الزوج لزوجته شيء محبوب إلى الأبالسة وإلى الشياطين من الإنس والجن.
ولذلك الرسول ﷺ يقول في الحديث الصحيح عند أبي داود والنسائي وأحمد: “ليسَ منَّا من خبَّبَ امرأةً علَى زوجِها”. إذا كانت الأم تفسد ابنتها على زوجها فالرسول عليه الصلاة والسلام قد تبرأ منها، إذا كان الأب يفسد ابنه على امرأته فهو بالمثل: “ليسَ منَّا من خبَّبَ امرأةً” أفسد امرأة “على زوجها”.
وكذلك صويحبات السوء إذا أفسدن الزوجة على زوجها وحرضنها على النشوز والعصيان ومخالفة الزوج، واتهامها بأنها مسكينة، وأنها طيبة زيادة عن اللزوم، وما أشبه ذلك من الكلام، الذي فيه تحريض الزوجة على زوجها وإفساد العلاقة بينها وبين زوجها، والرسول ﷺ يقول: “ليسَ منَّا” من فعل هذا والعياذ بالله.
فأمر الزوجية أمر عظيم، فإن الله عز وجل قد امتن على عباده بهذا العقد المبارك الذي تحصل فيه المودة والمحبة والسكينة والطمأنينة بين الرجل والمرأة، وجعله من آياته العظام، فذكره في غير موضع من كتابه العزيز كما قال سبحانه: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )الروم/21.
الطلاق هو آخر الحلول وليس أولها؟
اعلم يا عبد الله أن الطلاق هو آخر الحلول وليس أولها، كما أن الكي هو آخر العلاج، فمن الخطأ العظيم التسرع بالطلاق، وكون الطلاق يكون في لحظة غضب وانفعال، إنهاء العقد والزوجية في لحظة غضب وعلى أتفه الأسباب! هذا يدل على ضعف الإيمان ورقة الدين عند الزوج.
-اختلف على الطعام والشراب فطلق!
-اختلف على الخروج وعدم الخروج فطلق!
-اختلف على شيء تافه يغضب ويطلق!
وهكذا على كل شيء يطلق، هذا بُعد عن دين الله عز وجل وتمرد على أحكام الله، والله تبارك وتعالى لما تكلم عن الطلاق قال: ( وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً )البقرة/231، هذا من الاستهزاء بالدين، من الاستهزاء بأحكام الشرع أن يحلف الرجل بالطلاق على كل صغيرة وكبيرة، يعرض نفسه للخطر ولأسرته، ثم بعد ذلك ينتقل في السؤال من شيخ إلى آخر يبحث عن المخرج؛ كيف أرجع امرأتي كيف أردها؟ بعد أن ضيق على نفسه!
قال مجاهد بن جبر المكي قال: كنتُ عندَ ابنِ عَبَّاسٍ فجاءه رَجُلٌ، فقال: إنَّه طَلَّق امرأتَه ثلاثًا، فسَكَتَ، حتى ظَنَنْتُ أنَّه سيَرُدُّها إليه، فقال: يَنطَلِقُ أحَدُكم فيَركَبُ الأُحموقةَ، ثمَّ يقولُ: يا ابنَ عَبَّاسٍ! إنَّ اللهَ قال: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا}، وإنَّك لم تتَّقِ اللهَ فلا أجِدُ لك مخرجًا، عَصَيتَ رَبَّك، وبانت منك امرأتُك”
إذا سد الرجل على نفسه الأبواب بقوله وبفعله، ماذا يصنع لك الشيخ وماذا تصنع لك دائرة الإفتاء أو غيرها؟
التدرج في علاج نشوز الزوجة؟
اعلم أيها المسلم أن الرجل إذا شعر من امرأته معصية، فالواجب عليه أن يبدأ بوعظها أولاً وتذكيرها بالله، قال سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: ( وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً )النساء/34. واللاتي تخافون نشوزهن؛ أي معصيتهن، التي تظهر بالقول أو بالفعل من الزوجة، تعصي زوجها، تترفع عن طاعته، تستكبر عليه، فعليه أن يعظها؛ يذكرها بحق الزوج عليها كما في كتاب الله تعالى: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ )النساء/34، قانتات يعني مطيعات، الله عز وجل يقول: الصالحات مطيعات، من علامة صلاح المرأة طاعتها لزوجها.
-جعل الرسول ﷺ طاعة المرأة لزوجها سبباً من أسباب دخول الجنة، ألا تعلمين ذلك يا أمة الله؟ قال رسول الله ﷺ: “إذا صلَّت المرأةُ خمسَها وصامت شهرَها وحفِظت فرجَها وأطاعت زوجَها قيل لها ادخُلي الجنَّةَ من أيِّ أبوابِ الجنَّةِ شئتِ”رواه أحمد . أمر عظيم، طاعة الزوج واجبة بكتاب الله عز وجل يذكرها.
فإن أَبَتْ؛ هجرها في البيت: ( وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ )النساء/34، لا يترك البيت وينام خارج البيت كما يفعل بعض الأزواج إذا غضب على امرأته، لا هذا خطأ، لك أن تخرج لكن عند المبيت ترجع إلى بيتك، وتهجرها في بيتها بل في فراشها تعرض عنها توليها ظهرك حتى تتعظ، المرأة المحبة لزوجها يصعب عليها الهجر بالكلام فكيف إذا كان الهجر أكثر من ذلك؟
( وَاضْرِبُوهُنَّ )النساء34 إذا لم تنزجر؛ له أن يضربها ضرباً غير مبرح، لا يترك أثراً، لا يجرح، لا يكسر، ليست القضية استعراض عضلات على هذه المرأة الضعيفة، الرسول ﷺ يقول: “إِنَّي أُحَرِّجُ عليكم حقَّ الضعيفينِ : اليتيمُ ، والمرأةُ”ابن ماجة،أحمد،ابن حبان.
اتقِ الله أيها الرجل في المرأة فإنها ضعيفة، فالواجب عليك أن تؤدبها بالوعظ وبالهجر وبالضرب اليسير الذي لا يضرها وإنما هو تنبيه، حتى قال بعض السلف: يضربها بعود السواك.
ثم قال سبحانه: ( فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً )النساء/34، بعض الرجال المرأة مطيعة المرأة مسكينة، ومع ذلك يتسلط عليها! إذا كنت تستقوي على هذه المسكينة، فإن الله العلي الذي هو أعلى كل شيء، وهو الذي قهر كل شيء، قوي وقادر عليه أن يسلط عليك ظالماً كما ظلمت هذه المسكينة، عافانا الله وإياكم من ذلك.
كيف يكون الطلاق وما هي أحكام الطلاق السني؟
من أراد أن يفارق امرأته بعد أن يُحكّم بينه وبينها حَكَماً؛ فالأصل أن الزوج يحل مشاكله الزوجية مع زوجته بينه وبينها، إلا إذا تفاقمت المشكلة فله أن يحكّم حكماً عدلاً عاقلاً من أهله أو من أهلها يعلم حال الزوجين ليحكم بينهما بالعدل، فإن لم يكن هناك حل فله أن يطلق. ولكن كيف يطلق؟
للطلاق شروط شرعية يجب اتباعها بدقة:
الشرط الأول: أن يطلق طلقة واحدة، هذا الشرط الأول. الشرط الأول إذا أراد أن يطلق فإنه يطلق طلقة واحدة لا يزيد، لا يقول أنتِ طالق ثلاثاً، ولا خمساً، ولا عشراً، ولا يقول طالق ألفاً! هذا اعتداء، اعتداء على دين الله وعلى شرع الله. جاء في حديث النسائي من حديث محمود بن لبيد رضي الله عنه أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً على عهد رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: “أَيُلعَبُ بكتابِ اللهِ و أنا بين أظهُرِكم” ؟ حتى قام رجلٌ فقال : يا رسولَ اللهِ ألا أَقتلُه ؟
هكذا الاعتداء على كتاب الله! الله تعالى يقول الله تعالى في محكم التنزيل: ( الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ )البقرة/229، وقال سبحانه: ( فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ )البقرة/230.
كيف يجمع الثلاث في كلمة واحدة؟ اعتداء على كلام الله وعلى كتاب الله! اتقِ الله يا عبد الله إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتؤمن بالقرآن فلا تتعدى حدود الله.
الشرط الثاني: أن يطلقها وهي طاهر، يحرم على الرجل أن يطلق امرأته وهي حائض، أو وهي نفساء، هذا حرام واعتداء. ورد في حديث البخاري ومسلم “عن ابنِ عمرَ أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ وهيَ حائضٌ فسأل عمرُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال : مُرْهُ فليُراجعها ثم ليُطلِّقها طاهرًا أو حاملًا”حتى تحيض ثم تطهر ثم يطلق إن شاء، تلك العدة التي أمر الله تعالى بها في قوله: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ )الطلاق/1. فالواجب عليك أيها المسلم وأيتها المسلمة، يجب عليكم أن تتعلموا هذه الأحكام الشرعية في كتاب الله قبل الدخول في هذه المسألة.
الشرط الثالث: ألا يكون قد جامعها في هذا الطهر، إذا أراد أن يطلق وهي طاهر يُشترط ألا يكون قد جامعها في هذا الطهر لأنها ربما تكون قد حملت منه، وإذا حملت منه فإنه ستطول عدتها حتى تنتهي بوضع الحمل.
أما بعض الناس يقول الحامل طلاقها لا يقع، هذا كلام لا أصل له في كتاب ولا في سنة، إذا طلق امرأته وهي حامل فهو واقع، طلاق واقع بإجماع أهل العلم، لكن الله تعالى منعنا من الطلاق في الطهر إذا حصل التقاء بين الزوجين.
الشرط الرابع: ألا يخرجها من بيته في الطلقة الأولى والثانية، قال تعالى: ( وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ )الطلاق/1. إذا كان بقاؤها في البيت سيحدث مشكلة وأزمة وخلاف شديد مع الزوج أو مع أهله فله أن يخرجها، وإلا الأصل أن تعتد ثلاثة قروء، ثلاث حيضات في بيته حتى تنتهي، ثم بعد ذلك إذا عزم على فراقها يخرجها من بيتها طاعة لأمر الله عز وجل: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَتَّقِي اللَّهَ رَبَّهُ )الطلاق/1، وقوله: ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ )الطلاق/1. فاتقوا الله يا عباد الله في هذا الأمر العظيم، فإن الله عز وجل سائل كل زوج وكل زوجة عن هذا الدين؛ أحفظه أم ضيعه؟