يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
إن العلم بأسماء الله تبارك وتعالى الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله العظيمة، يورث الإنسان يقيناً وإيماناً وعلماً عظيماً، بل إن العلم بأسماء الله تعالى وصفاته، ومعانيها، وما تضمنته من الثمرات الجليلة، هو أصل الخير للإنسان كله.
معنى اسم الله اللطيف؟
من أسماء الله تبارك وتعالى العظيمة التي جاءت في القرآن الكريم: اللطيف، قال سبحانه وتعالى: ( وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ )الملك13-14، وقال سبحانه وتعالى على لسان لقمان: ( يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ )لقمان16.
الخردل قال أهل العلم هو أصغر الحبوب، هو أصغر من حب السمسم، والمعنى أن الله عز وجل لا تخفى عليه خافية، وإن دقت وإن صغرت، لا يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء، كما قال سبحانه وتعالى: ( وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا )الأنعام59، ورقة تسقط من شجرة في غابة لا تخفى على الله، لا يخفى علمها عليه سبحانه وتعالى.
ولإسم الله اللطيف معنيان:
الأول: العلم بالدقيق والخفي: فالله سبحانه وتعالى يعلم كل ما دق وصغر ولطف، الأشياء اللطيفة الصغيرة الدقيقة لا تخفى على الله.
الثاني: البر والرحمة بالعباد: فالله اللطيف هو البر الرحيم بعباده، الرفيق بهم، الذي يسوق لهم الخير من حيث لا يشعرون، ويدفع عنهم الشر من حيث لا يعلمون، لأنه سبحانه وتعالى يدبر الأمر، له الحمد كله، وله الملك كله، وله الأمر كله علانيته وسره، لا إله إلا هو سبحانه وتعالى.
من مظاهر لطف الله بأنبيائه وأوليائه؟
ربنا عز وجل ذكر لنا في كتابه أنواعاً من لطفه بعباده، ولا سيما بأنبيائه وأوليائه المؤمنين، فإن الله عز وجل لطفه بهم عظيم:
-اقرأ سورة يوسف وانظر إلى لطف الله عز وجل به، وهو صغير أخذه إخوته من أبويه وألقوه في بئر عميق، يريدون التخلص منه حسداً وبغضاً، لكن الله سبحانه وتعالى بلطفه أنجاه، فأرسلت القافلة من يستسقي لها فأدلى بدلوه فتعلق به، وأخرجه الله عز وجل من ظلمات البئر، ثم بيع عبداً، واشتراه عزيز مصر، ولقي ابتلاءات في بيته، وتعرض لفتنة النساء، ثم بعد ذلك ألقوه في السجن وحبسوه،
ويشاء الله عز وجل أن يرى الملك رؤيا عظيمة يسأل عنها ولا أحد يعرف معناها، فقال له من كان مع يوسف في السجن: أنا أعلم من يفسر لك هذه الرؤيا، فذهب إلى يوسف عليه الصلاة والسلام وقص عليه رؤياه، ففسرها وعبّرها، فانبهر الملك، فجيء به عزيزاً كريماً ولاه منصباً عالياً بعد أن كان سجيناً حبيساً، ثم لطف الله عز وجل بوالديه وبإخوته فتابوا وجيء بهم إلى مصر، قال تعالى: ( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ )يوسف100.
-انظر إلى لطف الله عز وجل بموسى عليه الصلاة والسلام، لما كان فرعون يقتل الأطفال، مثل فراعنة الزمان، يذبح الأطفال وينحرهم نحراً، فخافت عليه أمه، فأوحى الله إليها: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ )القصص7، فجرى به النهر حتى وصل إلى قصر فرعون الطاغية، فحُمل إلى زوجته، فلما رأته ألقى الله عز وجل محبته في قلبها، فتربى في قصر فرعون، هذا الذي سيهلك فرعون على يديه، يتربى في بيته ويأكل من طعامه وينام على فراشه، الله لطيف يفعل ما يشاء دون أن يشعر الطغاة، دون أن يعلم الظلمة، كيف يدبر الله سبحانه وتعالى الأمر، ثم إن هلاك فرعون كان على يد موسى عليه الصلاة والسلام.
-محمد ﷺ لما حاربه قومه وسعوا في قتله، في نهاية الأمر نجاه الله عز وجل، ولجأ إلى الغار، وبحثوا عنه في كل مكان حتى وقفوا على باب الغار، فقال أبو بكر رضي الله عنه: والله يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى تحت قدميه لأبصرنا، فقال له ﷺ: “يا أبا بكرٍ ما ظَنُّكَ باثنينِ اللهُ ثالثُهُما”البخاري،مسلم، فنجاه الله عز وجل، وهاجر إلى المدينة، وجعل الله له السلطان والدولة حتى مكّنه من رقاب المشركين.
ما العلاقة بين لطف الله وحسن الظن به؟
لطف الله سبحانه وتعالى قد يشعر به الإنسان وقد لا يشعر، قد يسوق الله تعالى لك أمراً تكرهه وفيه الخير كله، وقد تفرح بشيء وتحبه ويكون فيه هلاك، ينبغي أن يكون عند المسلم حسن الظن بالله عز وجل، ولو في الأمور التي يكرهها، لو جرت أمور يبغضها ويكرهها وينفر عنها، فليحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، فإن الله عز وجل إذا أحسنت الظن به كان عند حسن ظنك، كما قال النبي ﷺ في الصحيحين: “يقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: أنا عندَ ظنِّ عبدي بي”البخاري،مسلم، وفي رواية أحمد: “مَن ظنَّ بي خيراً فله، ومَن ظنَّ بي شرَّاً فله”أحمد.
إن الله عز وجل إذا أحب قوماً ابتلاهم، جاء في حديث الترمذي أن النبي ﷺ قال: “إنَّ عِظَمَ الجزاءِ مع عِظَمِ البلاءِ، وإنَّ اللهَ إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمن رضِيَ فله الرِّضا، ومَن سخِطَ فله السَّخَطُ”الترمذي، فمن اعترض على قضاء الله وقدره فله السخط والعياذ بالله، فربنا عز وجل عليٌّ حكيم، لا يقضي أمراً إلا بحكمة وبرحمة وبعدل ومصلحة، فظن بالله تبارك وتعالى خيراً، فالله سبحانه وتعالى يكون عند حسن ظنك به.
–وانتبه يا عبد الله أن حسن الظن بالله لا يكون إلا بعد إحسان العمل، قال تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ )البقرة218، متى يرجو الإنسان الرحمة؟ هل إذا أغضب الرب؟ هل إذا حارب الله؟ إذا بارز الله بالمعاصي يرجو رحمة الله؟ لا،إحسان الظن بالله يحتاج إلى إحسان العمل، يحتاج إلى التوبة والاستغفار، والرجوع إلى الله عز وجل في كل وقت وحين.