يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
من اعتقاد المسلم الواجب عليه أن يعتقد أن الله حكم عدل مقسط، لا يظلم الناس شيئا، كما قرر سبحانه وتعالى ذلك في كتابه في مواضع كثيرة قال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) يونس44، وقال سبحانه: ( وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ )فصلت46، وقال عز وجل: ( وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ ) آل عمران108.
وربنا سبحانه وتعالى مقسط عدل، كما شهد لنفسه، وشهدت له ملائكته، وشهد له أولو العلم، قال سبحانه: ( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ )آل عمران18، والقسط هو العدل، الله يقوم بالحق وبالعدل، وحكمه سبحانه وتعالى لا يمكن أن يخرج عن ذلك، قال سبحانه وتعالى: ( وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) الأنعام115، تمت كلمات الله صدقا وعدلا، قال أهل العلم وأهل التفسير، صدقا في الأخبار، وعدلاً في الأحكام، فكل ما أخبر الله به في كتابه، وكل ما أخبر به رسله، وخاتم رسوله محمد ﷺ، كل أخباره صدقا لا كذب فيها ألبته، وكل أحكامه سبحانه عدلٌ ليس فيها جور ولا ظلم، لأن الله سبحانه وتعالى منزَّهٌ عن ذلك.
كان معاذ بن جبل عالم الصحابة لا يجلس مجلساً إلا قال الله حكم عدل، هلك المرتابون، هلك المشككون في ذلك.
أما عدله سبحانه وتعالى في قضائه وقدره جل في علاه، فهو ممّا قد يعلمه الإنسان وقد لا يعلمه.
قد لا يعلم الإنسان ما العدل وما الحكمة، وما المصلحة، وما الرحمة، من هذه الابتلاءات، من هذه الحروب والنزاعات، من هذه الأمراض، من هذه الزلازل، من هذا الفقر والبأساء، أنت لا تعلم أنت لا تدري، لكنك توقن في قلبك أن الله لا يظلم الناس شيئا.
العدل والمصلحة والحكمة والرحمة في قضاء الله؟
قال العلماء:إن أمر الله عز وجل لا يخلو من أربعة أبدا: عدل، وحكمة، ومصلحة، ورحمة، كل أوامر الله لا تخلو عن هذه الأربعة، وإذا رأيت الأمر من أوامر البشر -انتبه أوامر البشر وليس أوامر الله- إذا رأيت أمراً من أوامر الناس يخلو من العدل، أو الحكمة، أو المصلحة، أو الرحمة، فاعلم أنه مما يضاد الشرع.
لا يحبه الله، ولا يرضاه الله، لأنه خلا من هذه الأمور الأربعة، لا عدل ولا حكمة ولا مصلحة ولا رحمة، اعلم أن الله لا يأمر به، لأن الله عز وجل لا يأمر إلا بما فيه خير وحق ورحمة ومصلحة وعدل بين العباد.
كذلك الأمر فيما يتعلق بأحكام الله الشرعية، ليس فقط الأحكام القدرية، طبعا الأحكام القدرية من الابتلاءات والضراء والمرض يكرهه الإنسان، وقد قال عز وجل: ( وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ )البقرة216، والمؤمن إذا صبر له الأجر العظيم عند الله عز وجل، كما قال ﷺ: “عَجِبْتُ لأمرِ المؤمنِ ، إنَّ أمرَهُ كُلَّهُ خيرٌ ، إن أصابَهُ ما يحبُّ حمدَ اللَّهَ وَكانَ لَهُ خيرٌ ، وإن أصابَهُ ما يَكْرَهُ فصبرَ كانَ لَهُ خيرٌ ، وليسَ كلُّ أحدٍ أمرُهُ كلُّهُ خيرٌ إلَّا المؤمنُ”مسلم وأحمد، ليس هذه الحال إلا للمؤمن، لأن غير المؤمن إن أصابته سراء ونعماء أشر وبطر وطغى واستكبر،
وإن أصابته ضراء يئس وقنط من رحمة الله، أما المؤمن لا، كما أخبر الرسول ﷺ.
وأما أوامر الله عز وجل الشرعية، فأيضا لا تخلو من العدل ولا من الحكمة والرحمة والمصلحة، سواء علمنا أو لم نعلم الحكمة من هذا الأمر الشرعي، فكثير من أغبياء بني آدم يعترضون على أحكام الله الشرعية، بل بعض الدول حاربت شرع الله، منعت قسمة الميراث كما قسمه الله، وقالوا لا نُعطي الأنثى مثل الذكر، وأبطلوا نظام الميراث الشرعي، اعتراض على رب العالمين، بل بعضهم منع من تعدد الزوجات، يقولون هذا فيه ظلم، سبحان ربنا العظيم لا يشرع شيئا إلا بعدل وإلا لحكمة ورحمة ومصلحة.
وأين أنت؟ مما يقدره ويحكمه رب العالمين سبحانه وتعالى، وهو أرحم بنا من أنفسنا.
هل تعلم أن الله عز وجل يوصي والديك بك، من أرأف الناس بالإنسان؟ الوالدان، يقول الله سبحانه: ( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ )النساء11، الله هو الذي يوصي الوالدان بالأولاد من رحمته سبحانه وتعالى، فكيف يظلم الناس شيئا، ربك عز وجل لا يحكم إلا بعدل وحكمة ورحمة ومصلحة علمت أو لم تعلم.
لايضيع حق المظلوم عند الله؟
من عدل الله عز وجل أنه لا يضيع حق مظلوم عنده، لا في الدنيا ولا في الآخرة، المظلوم الذي ظلمته، اغتبته، أو سببته، أو احتقرته، أو سخرت به، أو أكلت ماله، أو تعديت على حقه، فإن الله عز وجل سيؤدي له مظلمته عاجلا أو آجلا، فالمظلوم سيأخذ حقه، لا يضيع حق المظلوم أبدا، ولذلك قال ﷺ: “مَن كانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لأخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْها، فإنَّه ليسَ ثَمَّ دِينارٌ ولا دِرْهَمٌ، مِن قَبْلِ أنْ يُؤْخَذَ لأخِيهِ مِن حَسَناتِهِ، فإنْ لَمْ يَكُنْ له حَسَناتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ أخِيهِ فَطُرِحَتْ عليه”البخاري.
إن أخذت شيء من حق أخيك، سببته أخذت ماله، غششته أدي إليه حقه في الدنيا قبل أن يأتي يوم القيامة فلا دينار ولا درهم، ولكن حسنات وسيئات، فيؤخذ من حسناتك يوم القيامة بقدر ما ظلمت، فإن فنيت حسناتك فأنت مفلس، انتهت الحسنات، الصلاة الصيام والزكاة بسبب التعدي والظلم على الخلق، يؤخذ من سيئاتهم وتوضع في ميزانك، ثم تلقى في نار جهنم، لا توجد هناك أموال في الآخرة ولا دنانير حتى ترضيه وحتى تعطيه، لكن يؤخذ من حسناتك وإن فنيت الحسنات أنت مفلس، كما قال النبي ﷺ: “أتدرون من المفلس” هذا هو المُفلِس الحقيقي الذي يكون يوم القيامة مُفلِسًا من الحسنات أعاذنا الله وإياكم من ذلك.
أن الله أمركم بالعدل إن الله يأمر بالعدل، وفوق العدل الإحسان، قال تعالى:( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) النحل90، أمرنا الله عز وجل بالعدل في المعاملات، أمرنا الله عز وجل بالعدل إلى الزوجات والأولاد، وحرم الله عز وجل الظلم والبغي كله، لأنه سبحانه وتعالى يحب العدل، ومن عدله سبحانه أنه لا يعذب أمة ولو كثر كفرها، ولو كثرت منكراتها، حتى يبعث إليهم رسولاً، قال سبحانه وتعالى: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا ) الإسراء15.
اقتضت حكمة الله وعدل الله، ألا يعذب أناساً حتى يُرسل إليهم رسولاً يأمرهم بعبادته سبحانه، ويأمرهم بطاعته، ويأمرهم بإقامة العدل، وينهاهم عن الفحشاء والمنكر والظلم والبغي، يأمرهم بأداء الحقوق لرب العالمين، والحقوق لعباده، فإن أبوا وعصوا واستكبروا وأصروا، فقد أحلوا بأنفسهم عقوبة الله سبحانه وتعالى، هذه حكمة الله وهذا عدل الله سبحانه وتعالى.