يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:

قال تعالى: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا )الكهف/1-2.

الحمد لله الذي أنزل علينا أعظم الكتب السماوية، القرآن العظيم، أنزله على عبده ورسوله الأمين ، هداية للناس من الضلالة، ونوراً لهم من الظلمة، وشفاء لما في الصدور. كتاب فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى بغيره أضله الله.

-كتاب الله عز وجل هو الحبل المتين، والنور المبين، وهو الذكر الحكيم، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم.

-كتاب لا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا يلتبس على الألسن.

-كتاب لما سمعته الجن قالوا: ( فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا )الجن/2.

هل القرآن منهج حياة شامل؟

القرآن العظيم منهاج حياة، شامل كامل لكل ما يحتاجه الإنسان، بل إن الله تبارك وتعالى جعل شرعه وقرآنه قبل أن يخلق الإنسان قال الله تعالى: (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ )الرحمن/1-3.
كأن الله عز وجل أعد له هذا المنهاج العظيم، الذي إذا سار عليه في حياته أفلح ونجح، وسعد السعادة العظيمة، وهداه الله سبحانه وتعالى رشداً.

قال الله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) الإسراء/9-10.

كل شيء بينه ربنا سبحانه وتعالى لنا في كتابه قال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ )النحل/89.

وقال سبحانه وتعالى: (وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا )الإسراء/12.

شمولية التوجيه القرآني في العقيدة والأحكام؟

كتاب الله سبحانه وتعالى هداية في كل شؤون الحياة:
في الدين والدنيا، في العقائد، وفي العبادات، وفي المعاملات، وفي الأخلاق، وفي السلوك، وفي المعاهدات، وللأفراد، والمجتمعات، والدول.
كتاب الله سبحانه وتعالى يشمل هؤلاء جميعاً.
-ففي العقيدة اعتنى كتاب الله سبحانه وتعالى بتقرير العقيدة والتوحيد بأنواعه الثلاثة:

-توحيد الإلهية ألا يعبد إلا الله قال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ )الإسراء/23، وقال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا )النساء/36 أي شيء.

-وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، فلا تخلو آية من آياته المباركة من اسم من أسمائه الحسنى أو صفة من صفاته العلا.

كتاب القرآن ثلثه في توحيد الرب سبحانه وتعالى، وهذا ما أشار إليه النبي في قوله: من قرأ سورة الإخلاص فكأنما قرأ ثلث القرآن؛ لأن سورة الإخلاص أخلصت لله تبارك وتعالى وأسمائه وصفاته جل في علاه.

أحكام الأسرة والمواريث في القرآن؟

وأما في الأسرة فقد فصل الله تبارك وتعالى أحكام الأسرة في كتابه، وذكر الوصية بالوالدين وهما عماد الأسرة: قال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا )الإسراء/23.
أمر الله عز وجل بالإحسان إليهما قال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ )العنكبوت/8. بعد أن أوصى الله تعالى بتوحيده قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ )لقمان/13-14. وصية بالوالدين وهما عماد الأسرة سبب وجودك في الحياة.
وكذلك فصل الله تبارك وتعالى بقية الأحكام:
أحكام الزواج، وأحكام الطلاق، وأحكام العدة، والمواريث، كلها مفصلة في كتاب الله تبارك وتعالى. ففصل الله تعالى أحكام الأسرة والطلاق والعدة في سورة البقرة، وفي سورة النساء، وفي سورة أنزلها الله تبارك وتعالى باسم الطلاق الذي يتلاعب به كثير من المسلمين اليوم ويتخذونه هزواً. إنك عندما تستهين بكلمة الطلاق في كل صغيرة وكبيرة إنما تستهين بأحكام الله وأحكام شرع الله، القضية ما هي قضية احتقار للزوجة لا، هذا احتقار لكتاب الله. والله تعالى في ضمن آيات الطلاق يقول تعالى: (وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا )البقرة/231، تستهزئ بالطلاق في كل صغيرة وكبيرة وهو حكم شرعي مقرر بكلام الله تبارك وتعالى.

-أحكام الميراث قررها الله تعالى وفصلها في كتابه في سور عظيمة مباركة أنزلها على نبيه لا يمكن أن تحاكى، لا يستطيع الناس اليوم وضع بديل لأحكام الميراث.

اعتدوا على أحكام الله عز وجل في المعاملات والبيع والشراء.

واعتدوا على أحكام الله عز وجل في أحكام الجنايات والحدود والعقوبات.

واعتدوا على أحكام الله عز وجل في التربية.

ولكن لا تستطيع المحاكم أن تحكم بغير ما أنزل الله في كتابه في أحكام الميراث لأنهم عاجزون عن وضع بديل لذلك. لا نسمع إلا أقوالاً شاذة هنا وهناك كالذي يدعو إلى مساواة الرجل بالمرأة في الميراث في كل حال، وهذا باطل.

المرأة قد تكون مساوية للرجل في بعض الأحوال، وقد ترث الأم أكثر من أولادها إذا كثروا، فالذي يتكلم بهذا يهذي بما لا يعلم ولا يعرف. قرر الله سبحانه وتعالى في كتابه أن للنساء نصيباً كما أن للرجال نصيباً من الميراث قال تعالى: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا )النساء7.

كان الناس في الجاهلية لا يورثون النساء، بعض المسلمين اليوم إذا كان هو الأخ الأكبر استولى على الميراث وحرم البنات من كل شيء، هذه أخلاق الجاهلية التي نهانا الله عز وجل عنها وأبطلها. كما أن للرجال نصيباً، كذلك للنساء نصيب مفروض فرضه رب العباد سبحانه وتعالى.

الاقتصاد والحدود والجنايات في التشريع القرآني؟

في الاقتصاد قرر الله تعالى قواعد الاقتصاد الإسلامي، أولاً بتحريم الربا قال تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا )البقرة/275. كان الربا فاشياً في الجاهلية، فحرم الله عز وجل كل تعامل يقوم بالربا.
اقتصاد العالم اليوم الجاهلي الذي يعمل بنظام الجاهلية يقوم على الربا، وكم أفلست من بنوك تعاملت به، ولكن إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب، لمن كان له عقل، أما إذا كان الإنسان لا يعقل فإنه لا ينتفع.
حرم الله عز وجل أكل أموال الناس بالباطل قال تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ )البقرة/188، بالغش، بالخديعة، بالتزوير، كل ذلك مما حرمه الله عز وجل، فالأموال مصونة في القرآن.

حرم الله عز وجل الاعتداء على الأعراض، وشرع لذلك حدوداً زاجرة تزجر من تسول له نفسه الاعتداء على الأعراض أو الاعتداء على الأموال، ففرض الله عز وجل الحدود: حد القذف، حد السرقة، حد السكر لمن يعتدي على عقله بالأسكار أو بالمخدرات فله حد يزجره في شرع ربنا سبحانه وتعالى وفي كتابه المبين.

وفي كتاب الله تعالى الجنايات، قال عز وجل: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ) المائدة/45. القصاص في كتاب الله تعالى والجنايات، هذا مما قرره ربنا سبحانه وتعالى في كتابه العظيم.

العلاقة بين الراعي والرعية والعلاقات الدولية؟

قرر الله عز وجل حدود وحقوق الراعي والرعية في آيتين من كتاب الله عز وجل جامعتين:
-الآية الأولى موجهة للراعي قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا )النساء/58.
العدل في الأموال، العدل في الدماء، العدل بين الرعية.
-والآية الثانية موجهة للرعية قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )النساء/59. في آيتين عظيماين يوجه الله تعالى فيها الراعي والرعية.

في كتاب الله عز وجل التعامل مع الدول المسلمة وغير المسلمة قال تعالى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا )الأنفال/61.

وقال تعالى:(وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ )الأنفال/58.

وقال تعالى:(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا )البقرة/190، إلى غير ذلك مما قرره الله عز وجل في كتابه العظيم.

القرآن معجزة خالدة وتدبر وعمل؟

إن هذا القرآن هو معجزة الإسلام الخالدة التي تبقى أبد الدهر إلى أن يشاء الله تبارك وتعالى رفعه من الأرض كما ورد في الأخبار.
-كتاب عظيم من أخذ به علا وارتفع، ومن أعرض عنه ذل واتضع، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره زُج في قفاه في النار يوم القيامة.
-كتاب شافع مشفع، ماحل مصدق كما قال النبي :”القرآنُ شافعٌ مشفَّعٌ ، وماحِلٌ مصدَّقٌ ، من جَعلَه أمامَه قادَه إلى الجنَّةِ ، ومن جعلَه خَلفَ ظهرِه ساقَه إلى النَّارِ”ابن حبان،البيهقي.
وإن مما تميزت به بلاد الإسلام إنشاء مراكز تحفيظ القرآن ودور القرآن، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون، كما تميزت بالمسابقة الدولية للقرآن الكريم، يتنافس فيها قراء القرآن وحفاظه.
كتابنا الذي نرجع إليه هو كتاب الله سبحانه وتعالى، ينشأ عليه الأبناء والبنات، يتعلمون تلاوته وقراءته كما أمر الله عز وجل: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا )المزمل/4، وقال عز وجل: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ )ص/29.

-القرآن العظيم ليس للقراءة والتلاوة فقط، وإنما للتدبر والعمل. والتدبر يقوم على فهم القرآن، على النظر في كلمات القرآن ومعانيها، ثم التدبر لها وما ترمي إليه.

لا يكون التدبر بغير علم، لا يجوز للإنسان أن يتكلم في كتاب الله تعالى بغير علم، لا يجوز أن يتكلم فيه بالرأي المجرد قال تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا )الإسراء/36.

ليس كل إنسان يقول في القرآن برأيه وهواه وذوقه ووجه، هذا منهج بعيد عن منهج النبوة ومنهج السلف الصالحين.

قال أبو بكر رضي الله عنه: أي أرض تقلتني وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله عز وجل بغير علم!

لا يجوز لك أن تتكلم في القرآن وآياته بغير علم، وإنما تتعلم وترجع إلى كتب التفسير وكلمات القرآن ثم بعد ذلك تتحدث بعلم، وتدعو إلى الله بعلم، وتعمل بالعلم.

-كتاب يدعوا إلى العلم، ويحارب الجهل، ويحارب الشرك، ويحارب الكفر والإلحاد والإنحلال والفساد.

-كتاب رباني عظيم، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ظهره خسر خسرانا مبينا.