يقول الله سبحانه وتعالى : ( لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ) سورة المجادلة 22.

ثم يقول الله سبحانه وتعالى : ( إِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ) سورة لقمان 15.

يأتي المستشرقون .. وكل من يحاول التشكيك في هذا الدين يقولون ما هذا ؟

-في الآية الأولى .. الله سبحانه وتعالى ينهانا عن أن نود من حاد الله ورسوله .. ولو كانوا آباءنا ..

-وفي الآية الثانية في سورة لقمان يقول : ( وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) سورة لقمان.

-في الآية الأولى يقول لا تودهم ..

-وفي الآية الثانية يقول وصاحبهما معروفًا .. كيف يمكن أن يستقيم ؟ أمران مختلفان في نفس الشيء ..

نقول: إنه ليس هناك أي اختلاف .. ولكن يجب أن نفهم دقة تعبير القرآن الكريم .. واللفظ في القرآن الكريم .. ولنشرح ذلك بالتفصيل ..

المعروف يفعله الرجل لمن يحبه بقلبه .. ومن لا يحب .. ذلك أنك يمكن أن تسير في الطريق تجد إنسانًا لا تعرفه .. ولا تربطك به أي علاقة .. ولكنك تجده في مأزق فتسدى إليه معروفًا لتنقذه .. كأن يكون قد فقد حافظة نقوده مثلاً فتعطيه مبلغًا من المال ليصل إلى منزله أو تقدم له معونة .. قد يكون جائعًا فتعطية ثمن الطعام .. أنت هنا تفعل معروفًا عسى الله أن يجزيك عنه .. لا يربطك بالإنسان الآخر أي صلة .. هذا هو المعروف ..

ولكن المودة مكانها القلب .. هي في القلب .. أنت لا تود إلا من تحب .. لا ترد أن تجلس أو تعيش إلا مع من تحب .. المعروف لا يمس القلب .. ولكن المودة تمس القلب .. القلب في المودة يكون مع الشخص .. والقلب في المعروف لا يكون معه .. وإذا كان القلب مع إنسان غير مؤمن فهو قلب غير مؤمن .. والله لا يجعل لك قلبين في صدرك . مصداقًا لقوله تعالى : ( مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) إنما امتداد المعروف هو رضاء الله سبحانه وتعالى ..

نأتي بعد ذلك إلى الآية الكريمة .. الله سبحانه وتعالى يقول في سورة المجادلة : (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) . هنا استخدم الله سبحانه وتعالى كلمة الود .. وكلمة الود هي التي تمس القلب .. هنا لا تجد مثلاً إنسانًا مؤمنًا يحب إنسانًا يحارب الله ورسوله .. حتى ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم .. الحب من داخل القلب .. من داخل النفس ..

ثم يأتي الله سبحانه وتعالى في مسألة الوالدين .. وينهانا إن حاولا أن يمسا الإيمان في قلوبنا أن نستخدم العنف ضدهم .. أو نفعل أي شيء .. وهم في هذه الحالة يكونون في سن كبيرة .. ضعفاء .. اقتربوا من نهاية العمر .. هؤلاء الذين قدموا لنا المعروف بأنهم قاموا بتربيتنا .. وبالسهر علينا .. يأمرنا الله سبحانه وتعالى أن يدخلوا الشرك إلى قلوبنا .. أو حاولوا أن يجعلونا نشرك بالله سبحانه وتعالى .. يطالبنا بألا نطعهما .. ولكن نصاحبها في الدنيا معروفًا .. أدب القرآن الكريم .. نفعل ذلك ارضاء لله سبحانه وتعالى .. ومكافأة للجميل .. ولكن القلب لا يودهم ..

لمعروف لمن تحبه ومن لا تحبه ..

أما الود فلمن تحبه فقط ..

حين تسدي للوالدين معروفًا .. أي تعاملهما معاملة حسنة .. ولكن ليس بقلبك .. لأنهما يحاولان أن يدفعاك للشرك .. نفعل ذلك إرضاء لله سبحانه وتعالى الذي يأبى ألا أن يكون رحيمًا حتى مع من يعصاه والذي ينهانا عن أي نقابل الإحسان بالإساءة ..

والمعروف شيء .. والود شيء آخر تمامًا .. أين هو التناقض الموجود .. هذه حالة .. وهذه حالة أخرى .. قلب مع الله لا يدخل فيه كافر .. ولا من يحاول أن يشرك به .. أما المعروف الذي أسديه إلى والديّ فأمرني الله به .. رحمة بهما .. كما ربياني صغيرًا .

إذ أن مناقشة الإيمان بين الابن ووالديه .. لا تتم إلا إذا بلغ الابن مرتبة الرجولة .. وفي هذه الحالة يكون الأم والأب قد بلغا مرحلة الكهولة .. وعلىّ أن أعاملهما بالمعروف ردًا للجميل .. وإرضاء لله سبحانه وتعالى الذي لا يقبل الجحود .. لكن المعروف ليس بقلبي .. وهذا مختلف تمامًا عن ذلك، انتهى.

والخلاصة: أن هناك فرقا بين الود والمعروف.

فالمعروف تسديه لمن تحب أومن لاتجب ،ومن تعرف،ومن تجهل.

أما الود فلا بد أن يكون نابعا من ابتغاء مرضاة الله تعالى،فلا نواد من حاد الله ورسوله،ومن سعى لهدم هذا الدين،ولوكان أقرب الأقربين،ولكن لا ينافي هذا إسداءالمعروف إليه .