لا حرج على الإبن في السفر من أجل العمل، إذا كان سفره آمن ولا مخاطر فيه يخشى عليه الهلاك فيه، لا في طريقه، ولا في عمله وبلد إقامته، ولا يخشى على والديه من الضياع لو سافر عنهما، فلا مانع من السفر بدون إذنهما، وإن مانعا من سفره، والأولى أن يرضيهما بما يراه مناسباً، فما كان الإحسان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه.

وقد حبَّذ كثير من العلماء السفر والضرب في الأرض، وقد نظم الإمام الشافعي بضعة أبيات يشجع فيها على السفر والترحال قال فيها:

ما في المَقامِ لِذي عَقلٍ وَذي أَدَبِ       مِن راحَةٍ فَدَعِ الأَوطانَ وَاِغتَرِبِ

سافِر تَجِد عِوَضاً عَمَّن تُفارِقُهُ       وَاِنصَب فَإِنَّ لَذيذَ العَيشِ في النَصَبِ

إِنّي رَأَيتُ وُقوفَ الماءِ يُفسِدُهُ        إِن ساحَ طابَ وَإِن لَم يَجرِ لَم يَطِبِ

وَالأُسدُ لَولا فِراقُ الأَرضِ ما اِفتَرَسَت    وَالسَهمُ لَولا فِراقُ القَوسِ لَم يُصِبِ

وَالشَمسُ لَو وَقَفَت في الفُلكِ دائِمَةً       لَمَلَّها الناسُ مِن عُجمٍ وَمِن عَرَبِ

وَالتِبرُ كَالتُربِ مُلقىً في أَماكِنِهِ       وَالعودُ في أَرضِهِ نَوعٌ مِنَ الحَطَبِ

فَإِن تَغَرَّبَ هَذا عَزَّ مَطلَبُهُ       وَإِن تَغَرَّبَ ذاكَ عَزَّ كَالذَهَبِ

وقال أيضا:

اِرحَل بِنَفسِكَ مِن أَرضٍ تُضامُ بِها       وَلا تَكُن مِن فِراقِ الأَهلِ في حُرَقِ

فَالعَنبَرُ الخامُ رَوثٌ في مَواطِنِهِ       وَفي التَغَرُّبِ مَحمولٌ عَلى العُنُقِ

وَالكُحلُ نَوعٌ مِنَ الأَحجارِ تَنظُرُهُ       في أَرضِهِ وَهوَ مُرميٌّ عَلى الطُرُقِ

لَمّا تَغَرَّبَ حازَ الفَضلَ أَجمَعَهُ        فَصارَ يُحمَلُ بَينَ الجَفنِ وَالحَدَقِ

قال الإمام السرخسي الحنفي في شرح السير الكبير:

“وكل سفر أراد الرجل أن يسافره غير الجهاد، لتجارة، أو حج، أو عمرة، فكره ذلك أبواه، وهو لا يخاف عليهما الضيعة، فلا بأس بأن يخرج، لأن الغالب في هذه الأسفار السلامة، ولا يلحقهما في خروجه مشقة شديدة، فإن الحزن بحكم الغيبة يندفع بالطمع في الرجوع ظاهراً، إلا أن يكون سفرا مخوفا عليه منه، نحو ركوب البحر، فحينئذ حكم هذا وحكم الخروج إلى الجهاد سواء، لأن خطر الهلاك فيه أظهر.

والسفر على قصد التعلم إذا كان الطريق آمنا، والأمن في الموضع الذي قصده ظاهراً، لا يكون دون السفر للتجارة، بل هذا فوقه لقوله تعالى: ( فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ )التوبة:122، فلا بأس بأن يخرج إليه وإن كره الوالدان، إذا كان لا يخاف الضيعة عليهما.

قال: وإن كان يخرج في التجارة إلى دار الحرب بالأمان، فكرها ذلك، فإن كانوا قوما يفون بالعهد معروفين بذلك فلا بأس بأن يخرج، لأن الغالب هو السلامة، فصار هذا والخروج إلى بلدة أخرى من دار الإسلام سواء. انتهى.

الخلاصة:

-إذا كان أحد الوالدين أو كلاهما محتاجا للإبن لخدمته ولا يوجد من يقوم بذلك بعد سفره ، فإنه لا يسافر إلا بعد استئذانهما .

-فإن أذنا للإبن في السفر ، أو كانا غير محتاجين إليه ، لكونهما يقدران على خدمة أنفسهما ، أو يوجد من يخدمهما غيره ، فلا حرج عليه بعدها من سفره.

-وليعلم كل مسلم أن بر الوالدين باب مفتوح إلى الجنة ، فليحرص على رضاهما ، والإحسان إليهما ، وعدم إغضابهما، وليعلم أن البر دين فكما يبر بوالديه سيرزقه الله أبناء بارين به بقدر بره بوالديه، والجزاء من جنس العمل، فلا تقدم رغبات النفس على رضا الله ثم رضا الوالدين، فإن رضي الوالدان تمام الرضا بسفره فليتوكل على الله.