يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:

إن من الأمراض الخبيثة، بل الأمراض القديمة، مرض الكفر والإلحاد وإنكار وجود الخالق جل جلاله وتقدست أسماؤه، فإن هذا الانحراف العقدي والعقلي والفكري ليس بالأمر الجديد، بل قد حكاه الله تبارك وتعالى عن الأمم السابقة.

أنواع المنكرين لوجود الخالق؟

المُنكِرون لوجود الخالق سبحانه أنواع وأصناف:
النوع الأول: الدهريون:
الذين يقولون هذه الحياة الدنيا إنما هي أرحام تدفع وأرض تبلع، وقال الله عز وجل عنهم: ( وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ )الجاثية/24.
هذا هو الدهر والزمان، هذه هي الدنيا.
النوع الثاني: الطبائعيون:
الذين ينسبون الخلق إلى الطبيعة، فيقولون الطبيعة أوجدت، الطبيعة زودت، الطبيعة خلقت، وهؤلاء أيضاً حكى الله تبارك وتعالى مقالتهم في كتابه في قوله سبحانه وتعالى: ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ )الطور/35
هذه الآية العظيمة يقول جبير بن مطعم: صليت مع النبي في فتح مكة صلاة المغرب فسمعته يقرأ قوله تعالى: ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ )الطور/35-36.
قال: كاد قلبي أن يطير لمّا سمع هذه الآية العظيمة.
( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ) هل يمكن للطبيعة المخلوقة أن تخلق؟ إذا كانت الطبيعة هي التي خلقت، فمن الذي خلق الطبيعة؟ فالمخلوق لا يوجد نفسه، لا يمكن للمخلوق أن يوجد نفسه من العدم، ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ) من عدم، ( أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ) أم هم الذين خلقوا أنفسهم وخلقوا غيرهم؟ ( أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ) من الذي يدّعي من المخلوقين أنه خلق السماوات أو خلق الأرض؟
-وإن كان قد ادعاه بعض المستكبرين من الجبابرة الطغاة، ولكن قالوه على وجه المعارضة والاستكبار، كما قاله فرعون لموسى عليه الصلاة والسلام: ( فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ )طه/49.
من هو ربكم؟ ( قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ )طه/50.
ربنا سبحانه الذي خلق المخلوقات وأعطاها ما تحتاج من الأجهزة ومن الأدوات ومن الأعضاء وهداها إلى الانتفاع والاستفادة من هذه الأعضاء والأجهزة دون تعليم، قال تعالى: ( الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ )طه/50.

الطفل يرضع من أمه من غير تعليم، الفرخ يخرج من البيضة ويلتقط الحب من الأرض من غير تعليم، ( أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ )طه/50.

-ولمّا أضل فرعون قومه عن الإله الخالق الواحد، علِم أنه لا بد للناس من إله يرجعون إليه ويدعونه فقال: ( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ )النازعات/24.

-وهكذا النمرود الذي ذكر الله تعالى أمره مع إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي طغى أن آتاه الله الملك، هذا سبب الطغيان، أن الله عز وجل ملكه وتقادم عهده، فقال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ( رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ )البقرة/ 258.

إذا كان ربك يا إبراهيم يحيي ويميت فأنا أحيي وأميت، دعا برجلين من السجن فأعتق أحدهما وأمر بقتل الآخر، قال أنا أحييت وأمَتّ!

لم يجادله إبراهيم عليه الصلاة والسلام في ذلك، وإنما انتقل إلى حجة أعظم وأجلى وأكبر وأوضح كما قال تعالى: ( قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ )البقرة/258.

إذا كنت إلهاً فإن ربي هو الذي يأتي بالشمس كل يوم من المشرق وتسير صاعدة في السماء ثم تنزل إلى المغرب، فاعكس سيرها ائتِ بها من المغرب، ( فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ )البقرة/258.

الطبائعيون موجودون في عصرنا، الذين يقولون الطبيعة ، حتى متاحف المسلمين العلمية تدخل إليها فتجد: الطبيعة فعلت، الطبيعة زودت، الطبيعة أعطت، نسيانٌ للخالق سبحانه وتعالى الذي أعطى كل شيء خلقه، الذي خلق كل شيء سبحانه وتعالى، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ )فاطر/3.

لا خالق إلا الله سبحانه وتعالى.

النوع الثالث: الماديون والشيوعيون:

الماديون والشيوعيون في عصرنا الذين قالوا لا إله والحياة مادة، وهذا كله إعراض عن الأدلة الصحيحة، الأدلة الحقيقية، العقلية والنقلية التي لا يماري فيها إلا مكابر، إلا مستكبر، فإن الله عز وجل جعل السماوات والأرض كلها آيات ناطقة بوجوده وبوحدانيته وبربوبيته سبحانه وتعالى، قال سبحانه وتعالى: ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ )آل عمران/190.

أدلة وجود الله وآياته في الكون والنفس؟

1-قال تعالى: ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ) لو نظر الإنسان إلى هذه الكواكب السيارة التي أوجدها الله تعالى في السماوات وهي بالملايين بل بملايين الملايين لا تُعد ولا تُحصى، قال تعالى: ( كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ )يس/40 – الأنبياء/33
هذا يشرق، وهذا يغرب، وهذا يسير بسرعة هائلة، وذاك يسير بسرعة بطيئة، لا إختلاف، لا تناقض، لا تصادم، لا تناثر، أبداً! يدل على وجود خلق بديع متقن من عند خالق سبحانه وتعالى الذي أتقن كل شيء صنعه سبحانه وتعالى.
-واختلاف الليل والنهار لآيات، لبراهين وأدلة، والأدلة في الكون أكثر من أن تُحصى.

2-ذكر الله عز وجل منها أيضاً الماء النازل من السماء، الله سبحانه وتعالى ينزل ماءً واحداً من السماء إلى أرض واحدة، ولكن هذه الأرض لا تنبت نباتاً واحداً وإنما تنبت أنواعاً وألواناً وأشكالاً من النباتات! الماء واحد والأرض واحدة، فمن أين هذا التنوع؟ ومن أين هذا الاختلاف؟ إنه من خالق عظيم قادر مريد مدبر، أراد الله عز وجل أن يكون ذلك كذلك.

3- ضرب الله سبحانه وتعالى للناس مثلاً في خلق أنفسهم قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ )الحج/5.

إن كنتم في شك من البعث ومن القيامة ومن الخالق سبحانه وتعالى ( فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ )الحج/5.

هذا أصل الخلقة، آدم عليه الصلاة والسلام خلقه الله عز وجل من تراب، ثم نفخ فيه من روحه، فكان أدمياً ذا سمع وبصر وكلام ومنطق وعقل وإرادة وعمل، قال تعالى( فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ )الحج/5.

ثم نطفة، ثم أولاد، من نطفة من بني آدم، من قطرة بل من أقل من قطرة. ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة كمضغة اللحم، مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم، ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى. أجل، لا يتعدى ما قدر الله عز وجل للنساء في الحمل والولادة. ثم نخرجكم طفلاً، ثم لتبلغوا أشدكم. هذا خلق الله.

تفكر فيما خلق الله عز وجل من بني آدم، مما يخلق في الأرحام. من الذي يقلّب هذا الجنين من حال إلى حال إلى حال حتى تكتمل أعضاؤه؟ ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى.

إذا أراد الله عز وجل أن تسقط المرأة وأن تجهض، فيخرج هذا الجنين غير مكتمل، غير مكتمل الأعضاء لأجل أن ينظر إليه الناس ويرون أطوار الخلق في الأجنة وفي البطون. هذه آيات وعلامات خلقها الله عز وجل.

4-من آياته العظيمة سبحانه وتعالى، هذه الألبان التي نشربها وهي تخرج من بطون الأنعام، الأنعام التي تأكل أنواع النباتات، فينعقد هذا الطعام في بطونها ثم يخرجه الله عز وجل من بين دم وفرث. من بين الدم في بطون الأنعام، وبين الفرث الذي يكون في الأمعاء ويخرج منه الروث والفضلات، من بين دم وفرث لبنا خالصا سائغا للشاربين. أي آية أعظم من ذلك؟ مصانع في بطون الأنعام.

5-ومنها ومثلها تلك المصانع العظيمة التي جعلها الله عز وجل في بطون النحل التي تتغذى على الأزهار والنباتات، فتعقد تلك النباتات وتلك الأطعمة في بطونها عسلاً، عسلاً صافياً فيه شفاء للناس.

مصانع سخرها الله عز وجل لبني آدم من غير تدبيره ومن غير صنعه، إنما سخرها الخالق جل جلاله وتقدست أسماؤه. الأيات أكثر من أن تحصى، ولقد صدق القائل حيث قال:

فَيَا عَجَبًا كَيْفَ يُعْصَى الإِلَهُ … أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الْجَاحِدُ؟

وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ … تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْوَاحِدُ

سبحانه وتعالى، كيف يعصى؟ وكيف يجحد؟ ونحن نرى آياته وبراهينه ودلائله في كل يوم، وفي كل ليلة، وفي كل لحظة، تدل على تدبيره وعلى وجوده، وعلى عظمته، وعلى سلطانه، وعلى قدرته، وعلى علمه، وعلى خبرته وإتقانه سبحانه وتعالى.

أسباب وقوع الشباب في الإلحاد؟

قد يتساءل المسلم كيف يمكن أن يكون في شباب المسلمين من يلحد، ومن ينكر وجود الخالق سبحانه وتعالى، ويكفر بالله عز وجل؟
والجواب: أن لذلك أسباباً عدة؛
السبب الأول: ضعف الوازع الديني والجهل:
-البعد عن الله، الغفلة، نسيان الله، الإقبال على الشهوات وعلى الملذات، والإعراض عن الدين وعن تعلمه. فهذا من أعظم الأسباب أن يكون الشاب ينشأ في بيت ضعيف الإيمان، ضعيف الالتزام بأحكام الإسلام، فلا يقوى على مدافعة ما حرم الله عز وجل.
-ومنه أيضاً الجهل المتفشي في مجتمعات المسلمين؛ الجهل بالله وبأسمائه الحسنى وصفاته العلا، الجهل بدينه، الجهل بما بعث الله تعالى به رسوله .
-فإن العلم بالله، والعلم بكتاب الله، والعلم بسنة رسول الله لا شك أنها من أعظم الموانع من الكفر والإلحاد.

السبب الثاني: تقصير الأولياء والمربين:

أولياء المسلمين من الآباء والأمهات والمعلمين والمربين مقصرين في أداء وظيفتهم، في تربيتهم، في تعليمهم، في تفكيرهم لأبنائهم وبناتهم، في حثهم على طاعة الله. فإذا نشأ الشاب أو نشأت الفتاة في بيت مضاع؛ الأب مشغول بنفسه وبتجارته وبأصحابه وبسفراته ونزهاته، والأم مشغولة بالأسواق وبالأزياء وبالصويحبات والحفلات، فمن الذي يربي الأولاد؟ من الذي يربي البنين والبنات؟

السبب الثالث: الهزيمة النفسية أمام الحضارة الغربية:

ومن الأسباب الهزيمة النفسية والحسية أمام أعداء الله الكفار. فكثير من المسلمين مهزوم نفسياً، يعتقد أن الغرب والشرق أفضل حالاً منه، اغتر بالعلم الدنيوي، اغتر بالحضارة الزائفة، وظن أن هذه الحضارة لا تكون إلا إذا كفر بالله، إلا إذا صار مثل الكفار؛ لا يحل حلالاً ولا يحرم حراماً، إلا إذا استباح ما حرم الله، إلا إذا فعل مثل أفعالهم، وجاء بقوانينهم وألزم بها أهله وداره وبلاده. لا يا عبد الله.

-إن الغرب والشرق إنما فروا من دين فاسد محرف ما أنزله الله عز وجل، ما فر الغرب من دين عيسى عليه الصلاة والسلام، إنما فروا من التحريف والتغيير والتبديل الذي حصل في دين عيسى.

وأما نحن المسلمون فكتابنا محفوظ، وسنة نبينا محفوظة، وعلماؤنا الإجلاء قائمون بما أمر الله تعالى به ورسوله ، فليس حالنا كحالهم. وإذا سلطوا علينا عسكرياً، فاعلم أنما ذلك بذنوبنا، وبإعراضنا عن ديننا، وغفلتنا عما أمر الله عز وجل، فإن تسليط الأعداء عقوبة من الله عز وجل.