يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
إنَّ مما يزيد المؤمنَ إيمانًا ويقينًا معرفتُه بعظيم خلقِ الله، وما خلق الله عز وجل من عظيم مخلوقاته في السماوات والأرض، كما قال سبحانه وتعالى: ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ )آل عمران190.
ما هو الكرسي؟
من المخلوقات العظيمة التي خلقها الله عز وجل: الكرسي، المذكور في الآية المشهورة آية الكرسي، التي هي أعظم آية في كتاب الله، كما جاء في حديث أُبَيٍّ بن كعب، أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: يا أبا المُنذِرِ، أتَدري أيُّ آيةٍ مِن كِتابِ اللهِ معك أعظَمُ؟ قال: قُلتُ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ. قال: يا أبا المُنذِرِ أتَدري أيُّ آيةٍ مِن كِتابِ اللهِ معك أعظَمُ؟ قال: قُلتُ: {اللهُ لا إلَهَ إلَّا هو الحَيُّ القَيُّومُ}البقرة: 255، قال: فضَرَبَ في صَدري، وقال: واللهِ ليَهْنِكَ العِلمُ أبا المُنذِرِ.رواه مسلم،البخاري.
آية الكرسي فيها خمسة أسماء من أسماء الله الحسنى: الله، الحي، القيوم، وختمت بالعلي العظيم، وفيها ما يزيد على عشرين صفة لله عز وجل سبحانه وتعالى.
والكرسي، يقول الله عز وجل عنه في هذه الآية: ( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ )البقرة255، الكرسي يسع السماوات السبع والأرض، السماوات السبع العظيمة يسعها الكرسي، وجاء في أثر صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: “الكرسيُّ موضعُ قدمي الرب سبحانه وتعالى، والعرشُ لا يُقدَرُ قدرُه إلا الله”.
السماوات السبع في الكرسي كحلقة ملقاة في فلاة، جاء في حديث أبي ذر، أنَّ الرسولَ ﷺ قال:ما السَّماوات السّبع في الكُرسيِّ إلَّا كحلقةٍ ملقاةٍ بأرضٍ فلاةٍ، وفضلُ العرشِ على الكُرسيِّ كفضلِ تلك الفلاةِ على تلك الحلقةِ”، يعني في صحراء، الحلقة هي السماوات السبع، والفلاة هي الكرسي.
هل العرش أعظم من الكرسي؟
العرش أعظم من الكرسي، أمرٌ يُبهر الألباب، فوق ما يتصوره عقل الإنسان، ليعلم العبد عظمة الخالق سبحانه وتعالى الذي خلق هذه المخلوقات العظيمة، اليوم الناس تفخر بالاختراعات، وتفخر بالبناء العالي، وتفخر بناطحات السحاب، وغفلت الخليقة، غفل الناس عن عظمة الرب سبحانه وتعالى القوي القادر جل جلاله وتقدست أسماؤه سبحانه وتعالى.
-العرش هو أعلى المخلوقات، والتي استوى عليها ربنا، يعني علا وارتفع، أعلى المخلوقات جميعًا هو العرش، والله فوقه، يعني علاه، جل جلاله وتقدست أسماؤه، من غير تمثيل ولا تشبيه.
-العرش هو سقف المخلوقات، قال ﷺ في الحديث الصحيح: “الجَنَّةُ مِائةُ درجةٍ بينَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كما بينَ السَّماءِ والأَرْضِ، والفِرْدَوْسُ مِنْ أَعْلاها دَرَجَةً، ومِنها تَفَجَّرُ أَنْهارُ الجَنَّةِ، فإذا سَأَلْتُمُ اللهَ فَسَلوهُ الفِرْدَوْسَ”البخاري، الفردوس ليس فوقه إلا عرش الرحمن سبحانه وتعالى، أهل الفردوس، جعلنا الله وإياكم منهم، هم أقرب الناس إلى الله جل جلاله وتقدست أسماؤه.
-العرش هو أثقل المخلوقات، أعظم المخلوقات، الله عز وجل، وصفه بالعظمة قال تعالى: ( وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ )التوبة129، ووصفه الله عز وجل بالكرم، يعني بالجمال، هو مخلوق بهي حسن المنظرقال تعالى: ( اللَّهُ لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ )النمل26، وهو أثقل المخلوقات، جاء في حديث النبي ﷺ في مسلم، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقول: “سبحان اللهِ وبحمدِه ، ولا إله إلا اللهُ ، واللهُ أكبرُ ، عددَ خلقِه ، ورضا نفسِه ، وزِنَةَ عرشِه ، ومِدادَ كلماتِه”.
سبحان الله، عدد خلقه: كم خلق الله من المخلوقات؟
ورضا نفسه: إلى أن يرضى عنا سبحانه وتعالى.
وزنة عرشه، قال العلماء: هذه المذكورات في هذا الحديث هي أمور تكاد تكون لا متناهية.
ولذا احرص على هذا الذكر صباح كل يوم، وكذلك في المساء: “سبحانَ اللهِ وبحمدِه، عددَ خلقِه، ورضا نفسِه، وزِنةَ عرشِه، ومدادَ كلماتِه”، لا يفوتك هذا الذكر، كلمات يسيرات، لكنها بالغات الحد الأعلى في ذكر الله سبحانه وتعالى.
من هم حملة العرش؟
جاء في كتاب الله عز وجل أن للعرش حملة من الملائكة يحملونه بأمر الله، وهؤلاء الحملة أربعة، ويوم القيامة يكونون ثمانية، قال عز وجل: ( وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ)الحاقة17، ثمانية من الملائكة العظام.
الرسول ﷺ يقول في حديث أبي داود -والنبي ﷺ ما يتكلم إلا بأمر الله-: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: “أُذِنَ لي أن أُحدِّثَ عن مَلَكٍ من ملائكة حملةِ العرشِ، إنَّ ما بين شحمةِ أذنِه إلى عاتقِه مسافةُ سبعِمائةِ عامٍ”.
حملة العرش لا يغفلون عن ذكر الله، هذا الخلق العظيم، الواحد منهم يقول: سبحانك ربنا، سبحان الله وبحمده، لا يفتر عن تسبيح الله في الليل والنهار، هذا الإنسان المخلوق العاجز الضعيف يلهو ويلعب، يمر به اليوم والساعات لا يذكر الله، ولا يحمد الله، ولا يسبح الله، بل بعضهم لا يركع لله ركعة، ولا يسجد لله سجدة، متكبر على رب الأرض والسماوات.
هل الله عالٍ على عرشه؟
ربنا سبحانه وتعالى عالٍ على عرشه في سبع آيات من كتاب الله عز وجل، يقول: ( الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ )طه5، واستوى في لغة العرب تعني علا وارتفع، العرش هو أعلى المخلوقات، وليس فوقه إلا رب العالمين.
فربنا عالٍ على خلقه أجمعين، قال عز وجل: ( هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )الحديد3، النبي ﷺ فسر هذه الأسماء الأربعة، فقال: “أنتَ الأولُ فليس قبلَك شيءٌ، وأنتَ الآخِرُ فليس بعدَك شيءٌ، وأنتَ الظاهرُ فليس فوقَك شيءٌ، وأنتَ الباطنُ فليس دونَك شيءٌ”رواه مسلم.
أتظن أن الله عز وجل العالي على خلقه علوًّا يفوق العقل، هل تظن أنه يغفل عنك؟ قال تعالى: ( مَّا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا )المجادلة7، لا يغفل ربنا عن شيء، لا تظن أن الله عز وجل علو قدره ومكانه يغفل عن خلقه، بل يسمع أصواتهم، ويرى حركاتهم، ويعلم ما في صدورهم، جل جلاله وتقدست أسماؤه.
اتفقت الأمة، الصحابة والتابعون وأئمة الدين والأئمة الأربعة، على إثبات علو ربنا على عرشه، وارتفاعه على خلقه، لكننا لا نعرف له كيفية، لأن الله عز وجل ليس كمثله شيء.
جاء رجل إلى الإمام مالك، فقال: يا أبا عبد الله، ( الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ )، كيف استوى؟ فأطرق الإمام مالك، خفض رأسه، وعلاه العرق، ثم قال: “الاستواءُ معلومٌ، والكيفُ مجهولٌ، والإيمانُ به واجبٌ، والسؤالُ عنه بدعةٌ”.
لا تقل: كيف في صفات الله؟ فكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، ربنا لا يجري عليه العقل بالتصور، ولا بالمعرفة للكيفية، وإنما معرفة المعاني لأسماء الله الحسنى والصفات العلى.