ذهب جمهور الفقهاء إلى أن المعاصي ليست على درجة واحدة، ولكن منها الكبائر والصغائر، واختلفوا في ضابط كل منهما اختلافا كبيرا، والذي يجب التنبيه عليه أن على المسلم أن لا ينظر إلى صغر المعصية ، ولكن ينظر إلى عظم من يعصيه وهو الله تعالى، فالتهاون بالمعصية والاستخفاف بها نذير خطر، يجعل من الصغيرة كبيرة.
هل هناك فرق بين كبائرالذنوب وصغائرها؟
يقول الدكتور يوسف القرضاوي:-
ذهب بعض العلماء إلى أن المعاصي كلها كبائر، وكأنهم استعظموا أن يكون المعصي هو الله الكبير المتعال، الخالق الرازق، ثم تكون معصيته صغيرة، فرأوا أن كل ما عصى الله به فهو كبيرة.
فإذا كانت إساءة الولد إلى والده ولو بكلمة، تستعظم وتستهول، لعظم حق الوالد، فكيف بحق الرب الأعلى، الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى؟
وهذا شعور طيب، ولا شك، ولكنه لا ينفي الواقع.
وهو أن المعاصي والذنوب تتفاوت تفاوتًا بينا في مفاسدها وآثارها في الحياة، وتتفاوت كذلك في تأثيرها على القلب وتدنيسه.
كما أن النصوص نفسها بينت بوضوح أن في المعاصي كبائر وفواحش، ومنها دون ذلك:
كما قال تعالى في وصف مشهد من مشاهد الآخرة: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا )الكهف/49.
يقول تعالى: ( إن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيمًا )النساء/31.
وفي وصف الذين أحسنوا يقول تعالى: ( وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى * الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ )النجم/31-32.
وفي مدح المؤمنين الذين ادخر الله لهم في الآخرة ما هو خير وأبقى من متاع الحياة الدنيا، فقال: ( فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ )الشورى/36-37.
فلم تطلب هذه الآية ولا تلك اجتناب صغائر الذنوب، لأن الناس قلما يسلمون من مواقعتها في حياتهم اليومية، وإنما اكتفى منهم باجتناب كبائر الإثم والفواحش.
وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: “الصَّلَوَاتُ الخمسُ ، والجُمْعَةُ إلى الجُمْعَةِ ، ورَمَضَانُ إلى رَمَضَانَ : مُكَفِّرَاتٌ ما بينَهُنَّ ؛ إذا اجْتَنَبَ الكبائرَ
“أخرجه مسلم.
وانقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر: ثابت بنصوص القرآن والسنة الصحيحة وإجماع الصحابة والتابعين، وبالاعتبار والمعقول أيضًا.
وأما ما يحكي عن أبي إسحاق الإسفرائيني أنه قال: الذنوب كلها كبائر، وليس فيها صغائر، فليس مراده: أنها مستوية في الإثم، بحيث يكون إثم النظر المحرم، كإثم الوطء في الحرام، وإنما المراد: أنها بالنسبة إلى عظمة من عصى بها كلها كبائر، ومع هذا فبعضها أكبر من بعض، ومع هذا فالأمر في ذلك لفظي لا يرجع إلى معنى.
معنى اللمم والكبائر؟
قال ابن القيم: –
والذي جاء في لفظ الشارع: تسمية ذلك ” لمما ” و ” محقرات ” كما في الحديث ” إياكم ومحقرات الذنوب ” وقد قيل: إن ” اللمم ” المذكور في الآية من الكبائر، حكاه البَغَويُّ وغيره.
قالوا: ومعنى الاستثناء: أن يلم بالكبيرة مرة، ثم يتوب منها، ويقع فيها ثم ينتهي عنها، لا يتخذها دأبه، وعلى هذا يكون استثناء ” اللمم ” من الاجتناب، إذ معناه: لا يصدر منهم، ولا تقع منهم الكبائر إلا لممًا.
والجمهور على أنه استثناء من الكبائر، وهو منقطع… أي لكن يقع منهم اللمم.
ثم اختلفوا في فصلين، أحدهما: في ” اللمم ” ما هو؟ والثاني: في ” الكبائر ” وهل لها عدد يحصرها، أو حد يحدها؟ فلنذكر شيئًا يتعلق بالفصلين.
أولا: معنى اللمم : –
فأما ” اللمم ” فقد روى عن جماعة من السلف: أنه الإلمام بالذنب مرة، ثم لا يعود إليه، وإن كان كبيرًا، قال البَغَويُّ: هذا قول أبي هُريرةَ، ومجاهد، والحسن، وراوية عطاء عن ابن عَبَّاسٍ.
قال: وقال عبد الله بن عمرو بن العاص ” اللمم ما دون الشرك “.
قال السدي: قال أبو صالح: سُئلت عن قول الله عزل وجل ” إلا اللمم؟ ” فقلت: ” هو الرجل يلم بالذنب ثم لا يعاوده ” فذكر ذلك لابن عَبَّاسٍ فقال: ” لقد أعانك عليها ملك كريم .
والجمهور: على أن ” اللمم ” ما دون الكبائر، وهو أصح الروايتين عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: ما رَأيتُ شيئًا أشبَهَ باللَّمَمِ، ممَّا قال أبو هُرَيرةَ: عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: “إنَّ اللهَ كَتَبَ على ابنِ آدَمَ حَظَّه مِنَ الزِّنا، أدرَكَ ذلك لا مَحالةَ؛ فزِنا العَينِ النَّظَرُ، وزِنا اللِّسانِ المَنطِقُ، والنَّفسُ تَمَنَّى وتَشتَهي، والفَرجُ يُصَدِّقُ ذلك أو يُكَذِّبُه”البخاري ومسلم.
عن ابن عَبَّاسٍ، كما في صحيح البُخاريُّ من حديث طاووس عنه قال: ” ما رأيت أشبه باللمم ما قال أبو هريرة عن النبي ﷺ: “إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين: النظر، وزنا اللسان: النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه”رَواهُ البُخاريُّ ومسلم.
ورواه مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هُريرةَ، وفيه: “كُتِبَ على ابنِ آدَمَ نَصيبُه مِنَ الزِّنا، مُدرِكٌ ذلك لا مَحالةَ؛ فالعَينانِ زِناهما النَّظَرُ، والأُذُنانِ زِناهما الاستِماعُ، واللِّسانُ زِناه الكَلامُ، واليَدُ زِناها البَطشُ، والرِّجلُ زِناها الخُطا، والقَلبُ يَهوى ويَتَمَنَّى، ويُصَدِّقُ ذلك الفَرجُ ويُكَذِّبُه”البخاري ومسلم.
والصحيح: قول الجمهور: أن اللمم صغائر الذنوب، كالنظرة، والغمزة، والقبلة، ونحو ذلك، هذا قول جمهور الصحابة ومن بعدهم، وهو قول أبي هُريرةَ وعبد الله بن مسعود، وابن عَبَّاسٍ، ومسروق، والشعبي.
ثانيا : الكبائر:
وأما الكبائر: فاختلف السلف فيها اختلافًا لا يرجع إلى تباين وتضاد، وأقوالهم متقاربة.
وفي الصحيحين من حديث الشعبي عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: “الكَبائِرُ: الإشراكُ باللهِ، واليَمينُ الغَموسُ، وعُقوقُ الوالِدَينِ، أو قال: وقَتلُ النَّفسِ”البخاري، ولم يخرجه مسلم كما في ” تحفة الأشراف ” 346/6 للمزي، ورواه أحمدُ 201/2 والتّرمذيُّ (3024) والنسائيُّ 89/7).
وفيهما عن عبد ا لرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عن النبي ﷺ: “ألا أُنَبِّئُكُم بأكبَرِ الكَبائِرِ؟ قُلنا: بَلى يا رَسولَ اللهِ، قال: الإشراكُ باللهِ، وعُقوقُ الوالِدَينِ، وكان مُتَّكِئًا فجَلَسَ فقال: ألا وقَولُ الزُّورِ، وشَهادةُ الزُّورِ، ألا وقَولُ الزُّورِ، وشَهادةُ الزُّورِ، فما زالَ يقولُها حتَّى قُلتُ: لا يَسكُتُ”البخاري ومسلم والترمذي.
وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود سَألتُ -أو سُئِلَ- رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: “أيُّ الذَّنبِ عِندَ اللهِ أكبَرُ؟ قال: أن تَجعَلَ للهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ. قُلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قال: ثُمَّ أن تَقتُلَ ولَدَكَ خَشيةَ أن يَطعَمَ معكَ. قُلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قال: أن تُزانيَ بحَليلةِ جارِكَ. قال: ونَزَلَت هذه الآيةُ تَصديقًا لقَولِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( والذينَ لا يَدعونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقتُلونَ النَّفسَ التي حَرَّمَ اللهُ إلَّا بالحَقِّ ولا يَزنونَ )الفرقان/68.
وفي الصحيحين من حديث أبي هُريرةَ رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: اجتَنِبوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ. قيل: يا رَسولَ اللهِ، وما هُنَّ؟ قال: الشِّركُ باللهِ، والسِّحرُ، وقَتْلُ النَّفسِ التي حرَّم اللهُ إلَّا بالحَقِّ، وأكْلُ الرِّبا، وأكْلُ مالِ اليَتيمِ، والتوَلِّي يومَ الزَّحفِ، وقَذْفُ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤمِناتِ”.
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما عن النبي ﷺ قال: “إنَّ مِن أكبَرِ الكَبائِرِ أن يَلعَنَ الرَّجُلُ والِدَيه. قيلَ: يا رَسولَ اللهِ، وكيفَ يَلعَنُ الرَّجُلُ والِدَيه؟! قال: يَسُبُّ الرَّجُلُ أبا الرَّجُلِ، فيَسُبُّ أباه، ويَسُبُّ أُمَّه”.
وفي حديث أبي هُريرةَ رضى الله عنه عن النبي ﷺ قال: “إن من أكبر الكبائر: استطالة الرجل في عرض أخيه المسلم بغير حق” رَواهُ أبو داود، والبزار وبأسانيد يشد بعضها بعضًا، وله شاهد من حديث معيذ بن زيد عند أبي داود، وأحمدُ وإسناده صحيح.
وهذه الأحاديث الصحاح: تدلنا على أن الكبائر ليست في درجة واحدة، بل هي متفاوتة، فمنها: ما سماه الرسول (أكبر الكبائر).