من مزايا الشريعة الإسلامية أن أحكامها متماسكة متكاملة ومتناسقة، يأخذ بعضها بحجز بعض، ولا ينفصل بعضها عن بعض، فهي وحدة لا تتجزأ، ولا يجوز أخذ بعضها معزولاً عن البعض الآخر، ومن هنا قال الله تعالى لرسوله ولكل من يحكم في الأمة من بعده : (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ )المائدة49.

وأنكر أشد الإنكار على بني إسرائيل أخذهم ببعض الكتاب دون بعض، بقوله تعالى: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ) البقرة85.
وعلى هذا الأساس كان تشريع ميراث (العصبة) في الإسلام.

وأصل هذا ثابت بالسنة الصحيحة المتفق عليها عن رسول الله -- أنه قال: “أَلْحِقُوا الفَرائِضَ بأَهْلِها، فَما بَقِيَ فَهو لأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ“مسلم،البخاري.

والفرائض هي المقادير والأنصبة التي فرضها الله وقدرها في كتابه لأصحابها من الثمن، والربع، والنصف، والسدس، والثلث، والثلثين.

-ومن المعلوم أن هذه الفرائض قد لا تستغرق التركة في بعض الأحوال، كما إذا ترك الميت بنات لا ذكور معهن، فكيف يوزع الباقي، الذي سكت عنه القرآن؟

-هنا جاء الحديث الصحيح، وحدد طريقة التوزيع والاستحقاق، وأنه “لأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ”، وأولى الرجال الذكور هؤلاء هم الذين نسميهم “العصبة” وهو الذي يأخذ ما بقي بعد أصحاب الفروض من التركة، وينفرد بها إذا لم يوجد صاحب فرض.

ففي حالة ما إذا ترك الميت ابنتين أو ثلاثًا مثلاً، وأمّا، وزوجة، فإن البنات لهن الثلثان والأم لها السدس والزوجة لها الثمن وهذه فرائض منصوص عليها في القرآن.

فإذا افترضنا المقام (أربعة وعشرين)، فمجموع هذه الفرائض يساوي (23/24)، ويبقي من التركة (واحد) على (أربعة وعشرين)، وإذا لم توجد أم للميت يصبح الباقي (خمسة) على (أربعة وعشرين)، وإذا لم توجد أم ولا زوجة يصبح الباقي (ثمانية) على (أربعة وعشرين)، وهذا الباقي قل أو كثر، هو من نصيب العصبة: “أولى رجل ذكر”، فأولى الناس بالميت هو أقربهم.

ما هو السبب في توريث العصبة؟

سر توريث العصبة يرجع إلى فلسفة الإسلام في نظام الأسرة، فهي ليست الأسرة الضيقة المحصورة في الزوجين وأولادهما، كما هو معروف عند الغربيين وغيرهم، بل هي الأسرة الممتدة، أو الموسعة، التي يدخل فيها الأقارب والأرحام.

ولهذا وجدنا القرآن والسنة حافلين بتأكيد حق ذوي القربي وإيجاب صلتهم، وتحريم قطيعتهم.

وحسبنا أن نقرأ مثل هذه الآيات:

-قال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ …)النساء: 36.

-وقال تعالى: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا……..) إلى أن قال تعالى: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ..)الإسراء:23 -26.

-وقال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ ….)البقرة215.

-وقال تعالى:( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ). البقرة180.

-وقال تعالى: ( وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا )النساء1.

-وقال تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ )محمد22،23.

النظام الذي وضعه الشرع لحماية الوصايا وتنفيذها؟

لم يدع الإسلام الأمر وصايا أخلاقية، ودعوة قائمة على الترغيب والترهيب فحسب، بل تدخل بالتشريع لحماية الوصايا وتنفيذها: فشرع عدة أنظمة، تكفل بقاء النظام واستمراره كما يحب الله ورسوله، منها:

1- نظام النفقات:
فمن حق القريب الفقير الذي لا كسب له ولا مورد، أن ينفق عليه قريبه الموسر، بما يحقق له كفايته.
وهذا النظام من دعائم التكافل الاجتماعي في الإسلام، على معنى أن الأسرة فيما بينها تتكافل، قبل أن يطلب من الغرباء أو المجتمع أو الدولة. (انظر: كتاب: مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام، فصل نفقات الأقارب ).

يقول تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ )البقرة233.
ومعنى: ( وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ) أي على القريب الذي يرث من المولود له، وهو أب المولود إذا مات، رزق الوالدات وكسوتهن بالمعروف، أي النفقة عليهن في حالة الرضاع. فكما أنه يرث فيغنم، ينفق فيغرم، والغنم بالغرم.

2- نظام الميراث:
فقد ورث الإسلام الأقارب بعضهم من بعض وفق نظام مرسوم وترتيب معلوم، يحجب الأقرب إلى الميت درجة من هو أبعد منه. يقول تعالى في سورة النساء التي بدأها بالوصية بتقوي الله والأرحام قال تعالى: ( لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا )النساء7.

والعدل يقتضي أن القريب الذي قد يكلف النفقة على قريبه إذا عجز وأعسر، أن يكون له نصيب من ميراثه إذا مات ولا عاصب له، ليتقابل الغرم والغنم.
والبنت أو البنات اللاتي مات والدهن، وليس لهن إخوة في حاجة إلى ولاية العاصب وحمايته، إن كن ذوات مال، وإلى رعايته ونفقته إن لم يكن لهن مال. فاقتضت حكمة الشريعة أن يكون الرباط موصولاً وقويًا بين البنات وعمومتهم أو بني عمومتهم، لهذا السر.

3- نظام العاقلة:
وتأكيدًا لهذا الرباط بين أفراد الأسرة الموسعة، شرع الإسلام نظام العاقلة في الديات.
فمن قتل قتيلاً خطأ أو شبه عمد، فإن دية المقتول في مال عصبته موزعة علي ثلاث سنوات لا في مال الجاني وحده. وفي هذا عدة فوائد:
1 – ألا يضيع دم هدرًا إذا عجز مال الجاني عن دفع الدية.
2- مواساة الجاني والتخفيف عنه في تحمل آثار جريمة لم يتعمدها.
3 – اهتمام هذه الجماعات بتربية أبنائها ومراقبة سلوكهم حتى لا يتكرر منهم ارتكاب هذه الجرائم، ويكلفوهم ما لا يطيقون.

لماذا يستهجن المسلم ميراث العصبة مع البنات؟

إن الذي جعل حكم ميراث العصبة مع البنات مستغربًا لدى بعض المسلمين، هو الواقع الرديء الذي نراه في الحياة الإسلامية اليوم بين الأقارب بعضهم وبعض، حتى إن الإخوة يعيشون في بلد واحد ولا يتواصلون. وربما تمر السنوات ولا يرى بعضهم بعضًا، وقد يكون أحدهم غنيًا والآخر فقيرًا أو الآخرون فقراء، فلا يفكر فيهم، ولا ينالهم شيء من خيره.

وتنتقل هذه الجفوة أو القطيعة من الآباء إلى أولادهم، فلا يكادون يعرفون شيئًا عن أعمامهم أو أولاد أعمامهم، حتى إذا مات العم أبو البنات، وكان له تركة ومال يورث يظهر فجأة العم المختفي أو أولاد العم الذين لم يرهم أحد من قبل.

إن هذا الواقع مناقض لتعاليم الإسلام، وهو الذي جعل بعض الناس يتساءل: ما الذي جعل لهذا العم أو أبنائه حقًا، ولم يكن له أو لهم أي صلة بهم من قبل؟
إن سلوكنا نحن المسلمين كثيرًا ما يظلم به الإسلام. ولكن الحقيقة التي لا ريب فيها: أن الإسلام حجة على المسلمين، وليس المسلمون حجة على الإسلام.