يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:

إن المجتمع بناء محكم متين يظل كذلك ما لم تختل أحد لبناته، فإذا اختلت بعض اللبنات اختل البناء، وربما تهاوى وانهدم -عياذًا بالله عز وجل من ذلك-.

ولقد حاط الله تبارك وتعالى مجتمعات المسلمين بشريعة حافظة متينة محكمة حسنة، قال تعالى: ( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ )المائدة/50.

وهو سبحانه وتعالى خلق هذا الإنسان وهو أعلم بما يصلحه وما يفسده، قال الله تعالى: ( هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ )النجم/32.

وهو سبحانه وتعالى أنزل كتابًا على نبيه محكمًا عظيمًا مباركًا، فيه كل خير للبشر، من أخذه سما وارتفع، ومن أعرض عنه نزل واتضع -عافانا الله وإياكم من ذلك-.

وإن الله تبارك وتعالى قد أحاط المرأة بحصون عظيمة متينة، وأسوار عظيمة تدفع عنها كل شر وكل سوء وكل فاحشة، وهذا حكم الله تبارك وتعالى الذي أنزله في كتابه على نبيه عليه الصلاة والسلام، فليس هو رأي شيخ، ولا اجتهاد فقيه، ولا قول جماعة، بل قول الحق سبحانه وتعالى الذي ( لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ )فصلت/42.

ما هي الحصون التي تحفظ المرأة المسلمة؟

1- الحصن الأول: الحجاب الشرعي:
إن الله تبارك وتعالى أمر المؤمنات بالحجاب الذي يحجبهن عن أنظار الرجال، ويحجب أشخاصهن عن نظر من في قلبه مرض، قال سبحانه وتعالى لنبيه الكريم: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)الأحزاب/59.
فـأمر الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام أن يأمر نساءه -يعني زوجاته- وبناته ونساء المؤمنين؛ لأنهن تبع لأزواج النبي العفيفات الطاهرات وبناته الكريمات، نساء المؤمنين تبع لهن أن يلزمن الحجاب ولبس العباءة الساترة فوق الثياب، حتى إذا رآها من في قلبه شر ونفاق، انزجر عنهن وعرف أنهن عفيفات.
وقال سبحانه وتعالى: ( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ )الأحزاب/53.

إذا سألت المرأة فليكن بينك وبينها حجابًا، وهذا الحجاب إما أن يكون على بدنها أو أن تسألها من وراء الباب فلا ترى شيئًا منها، هذا أمر الله تبارك وتعالى لنساء المؤمنين في عهد الصحابة.

ثم علل سبحانه وتعالى هذا الحكم الشرعي، جعل له علة فقال سبحانه وتعالى: ( ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ )الأحزاب/53.

الحجاب فيه طهارة، طهارة للقلوب؛ لأن النظر إلى زينة المرأة مما يمرض القلب، ومما يجعل الرجل يتعلق بها، فجعل الله تعالى الحجاب مانعًا من تعلق القلوب بهن، وهذا أمر فطري خلقه الله سبحانه وتعالى في الرجال، فجعل الحجاب راحة لهم من هذا المرض.

2 – الحصن الثاني: القرار في البيت:

أمر الله تبارك وتعالى نساء النبي ، ونساء الأمة بأمر عظيم وهو القرار في البيت، فقال سبحانه وتعالى: ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى )الأحزاب33.

الأصل أن المرأة تلزم بيتها، تحفظ نفسها، وتحفظ زوجها، وتحفظ أولادها، وتؤوي وتحافظ على مال زوجها وولده.

ويجوز لها الخروج للحاجة أو للضرورة، فإن الله سبحانه وتعالى لم يجعل في شريعتنا السمحة عسرًا، بل جعلها شريعة السماحة واليسر، فإذا أرادت الخروج لحاجة فلا حرج في ذلك، ولو أرادت الخروج لـصلاة في المسجد، لم يحل للزوج أن يمنعها عن ذلك، إذا خرجت بسترها محافظة على نفسها بعيدة عن التبرج، قال عليه الصلاة والسلام: “إذا استَأذَنَتِ امرَأةُ أحَدِكُم إلى المَسجِدِ فلا يَمنَعْها”البخاري،مسلم، وقال عليه الصلاة والسلام: “لا تمنعوا إماءَ اللهِ مساجدَ اللهِ ، وبيوتهنَّ خيرٌ لهنَّ” البخاري،مسلم.

فقرار المرأة في بيتها حفظ لها، وابتعاد عن مواقع الفتن، وخطوات الشيطان وشراكه.

روى الترمذي عن النبي أنه قال: “إنَّ المرأةَ عورةٌ ، فإذا خرجتِ استشرفها الشَّيطانُ”الترمذي.

قال أهل العلم: نال منها عند خروجها ما لم يناله منها وهي في بيتها.

-يأتي الشيطان إلى المرأة فيقول: أنتِ لا تمرّين برجل إلا فتنتيه، إلا ولفتتِ انتباهه، هكذا ينفخ فيها حتى تزيد من حركاتها وتزيد من فتنتها.

فإذا قرّت في بيتها ولم تخرج إلا للحاجة، كان في ذلك سترًا لها وحفظًا.

ومن العجيب في زماننا هذا، في زماننا هذا أن كثيرًا ممن يريد الزواج اليوم يقول: أريد امرأة موظفة، أريد امرأة عاملة تخرج كل يوم، هذا من عجيب تصاريف الزمان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

3 –الحصن الثالث: البعد عن التبرج:

ومن ذلك البعد عن الخضوع في القول، قال تعالى: ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى )الأحزاب/33.

التبرج يعني أخذ الزينة، التزين عند الخروج.

وبعض النساء اليوم المسلمات ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا تضع الزينة لزوجها، وإنما إذا أرادت الخروج من بيتها وضعت زينتها وتعطرت، وهذا أمر محرم حرمه الله عز وجل على النساء، حتى ولو كانت المرأة تريد المساجد، قال عليه الصلاة والسلام: “أيُّما امرأةٍ أصابت بخورًا فلا تشهدنَّ معنا العشاءَ”مسلم،النسائي،أحمد.

المرأة إذا وضعت طيبًا يقول : لا يحل لها أن تصلي العشاء في المساجد حتى ترجع إلى بيتها وتغسل ما بها من العطر، وقال عليه الصلاة والسلام: “أيُّما امرأةٍ استعطَرَت فمرَّت علَى قومٍ ليجِدوا من ريحِها ؛ فَهيَ زانيةٌ”النسائي،أحمد والعياذ بالله.

إذا تعمدت المرأة ووضعت طيبًا ليجد الرجال ريحها فقد ارتكبت كبيرة من كبائر الذنوب، بل لو أرادت الصلاة في المسجد وجب عليها أن ترجع إلى بيتها فتغسل ما بها من الطيب والعطر، ثم تعود لتصلي، هذا حكم الله وحكم رسوله .

4 –الحصن الرابع: عدم الخضوع في القول:

أن الله تبارك وتعالى قال: ( فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ )الأحزاب/32.

الخضوع بالقول يعني ترقيق الكلام، الكلام باللين، الكلام بالخضوع وتكسر في الصوت، هذا لا يجوز للمرأة أن تخاطب به الرجال؛ لأنه خاص بالأزواج.

لا يجوز للمرأة إذا كلمت الرجل الأجنبي أن تكلمه بلين وخضوع قول، فيطمع الذي في قلبه مرض، هذا سبب؛ لأنه يطمع من في قلبه مرض الشهوة أو من هو منافق والعياذ بالله تعالى، بل إذا كلمت المرأة الرجل تكلمه بكلام جزل متين، دون خضوع ولا لين، فلا تكسر كلماتها وصوتها ولا تتغنج إلا لزوجها، كما قال ربنا سبحانه وتعالى في محكم التنزيل.

5 –الحصن الخامس: تحريم الخلوة بالأجانب:

فلا يجوز للمرأة أن تخلو بالرجال، لا يجوز أن يخلو الرجل بالمرأة الأجنبية، قال عليه الصلاة والسلام في حديث البخاري ومسلم: “إيَّاكم والدُّخولَ على النِّساءِ . فقالَ رجلٌ منَ الأنصارِ : يا رسولَ اللَّهِ ! أفرأيتَ الحموَ ؟ قالَ : الحمو الموت “البخاري،مسلم،الترمذي. أن يدخل الرجل على امرأة مغيبة، على امرأة زوجها ليس في البيت أو زوجها مسافر.

أفرأيت الحمو: القريب الذي هو أخو الزوج أو ابن عمه الذي عادة ما يدخل مع الزوج إلى بيته، لكن إذا غاب الزوج حرم على الحمو أن يدخل البيت.

الحمو الموت يعني منه يكون الدمار ومنه يكون الهلاك؛ لأن الرجل يثق بأخيه أو يثق بابن عمه، لكنه رجل أجنبي على كل حال، فلذلك لا يجوز له أن يدخل على المرأة في غياب زوجها ولا أن يخلو بها، وقال عليه الصلاة والسلام: “ألا لا يخلوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ إلَّا كانَ ثالثَهما الشَّيطانُ”الترمذي،أحمد.

لا يحل للرجل أن يخلو بامرأة في بيت ولا في غرفة وحدهما، لكن لو كانت هناك امرأتان ورجل ليست خلوة، أو كان رجلان وامرأة فليست خلوة، إنما الخلوة رجل وامرأة كما قال .

6 –الحصن السادس: منع السفر بغير محرم:

ومما جعله الله تعالى من الحصون الحصينة والأسوار المنيعة للمرأة: أن المرأة لا يجوز لها أن تسافر بغير محرم، قال عليه الصلاة والسلام: “لا يَحِلُّ لامرَأةٍ تُؤمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ، تُسافِرُ مَسيرةَ يَومٍ ولَيلةٍ، إلَّا مع ذي مَحرَمٍ عليها”البخاري،مسلم.

وهذا التحديد كما قال أهل العلم؛ لأن السفر كان في ذلك الزمان لا يقل عن ثلاثة أيام، لأنه قد وردت أحاديث صحيحة بالنهي عن سفر المرأة وحدها بغير محرم دون تعليق للزمان كيوم أو يومين أو ثلاثة، قال : “لا يحل لامرأة أن تسافر إلا ومعها ذو محرم منها”.

بل قال أهل العلم على القول الصحيح: أن المرأة لا يجب عليها الحج، إذا لم تجد المحرم الذي يرافقها، كما جاء في الحديث قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: “لا تُسافِرِ المَرأةُ إلَّا مع ذي مَحرَمٍ، ولا يَدخُلُ عليها رَجُلٌ إلَّا ومعها مَحرَمٌ، فقال رَجُلٌ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي أُريدُ أن أخرُجَ في جَيشِ كَذا وكَذا، وامرَأتي تُريدُ الحَجَّ، فقال: اخرُجْ معها“.

منعه أن يجاهد، وأمره بالسفر مع امرأته للحج؛ لأن المرأة لا يجوز لها أن تسافر دون محرم ولو كان للحج أو العمرة.

7 – الحصن السابع: البعد عن الاختلاط بالرجال:

الأمر بالبعد عن الاختلاط بالرجال بغير حاجة، فالشريعة حرصت على مباعدة النساء عن الرجال حتى في أقدس البقاع، حتى في بيوت الله، حتى في مساجد الله، قال : “خَيرُ صُفوفِ الرِّجالِ أوَّلُها، وشَرُّها آخِرُها، وخَيرُ صُفوفِ النِّساءِ آخِرُها، وشَرُّها أوَّلُها”؛ لأن المرأة كانت تصلي خلف الرجال في المساجد، فـحث النبي أن تتباعد المرأة عن صفوف الرجال حتى في بيوت الله سبحانه وتعالى؟

-فكيف بمن يقول بجواز الاختلاط في المدارس؟!

-وكيف بمن يقول بجواز الاختلاط في الجامعات؟!

-وكيف بمن يبيح اختلاط الرجال بالنساء في الحفلات؟!

أين هو أين هو من هذه الأحاديث النبوية التي قالها رسول البشرية الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى؟!

أما ما يحصل من اختلاط بغير قصد في طريق، في سوق، في غير أمر مخطط له، فهذا أمر لا يمكن منعه ولا يمكن دفعه، وإن استطيع ذلك فهو حسن.

فالواجب تباعد الرجال عن النساء ولو في مقاعد الدراسة، وقد أخذت بهذا جامعات غربية أوروبية وغيرها، رأوا أن فصل الرجال عن النساء في الجامعة أفضل للتحصيل العلمي والدراسي، حتى لا تتعلق القلوب ولا تحصل العلاقات المحرمة الآثمة.

مسؤولية القوامة؟

على الرجال أن يتقوا الله تعالى، وقد جعلهم الله عز وجل قوامين على النساء حكما وشرعا وطبعا وقوة وانفاقا. الرجل هو المسؤول الأول عن رعيته، قال الله تعالى: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ )النساء/34.
فالقوامة تكليف قبل أن تكون تشريفًا، وهي أمانة يسأل عنها العبد يوم القيامة، كما قال النبي : “كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ ……والرجلُ راعٍ على أهلِ بيتِهِ وهو مسؤولٌ عنهم والمرأةُ راعيةٌ على بيتِ بعلها وولدِهِ وهي مسؤولةٌ عنهم….”البخاري،مسلم،أبو داود، النسائي.

فاتقوا الله أيها المسلمون، وحافظوا على نسائكم وبناتكم، واحرصوا على تربيتهن على العفة والحياء، وكونوا لهن حصنًا منيعًا من الفتن والشرور.