من الأَمراضِ التي تُصيبُ الأفرادَ والمجتمعاتِ ونهى عنها ربُّنا عز وجل في كتابِه ورسولُهُ في سُنَّتِه الشَّريفةِ: داءُ الإسرافِ ومرضُ التَّبذيرِ، قال سبحانه وتعالى: ( وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا )الإسراء/26-27، وقال سبحانه وتعالى: ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ )الأعراف/31.

قال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: “كُل ما شِئتَ والبس ما شئتَ ما أخطأتْكَ اثنتانِ: سرَفٌ ومخيَلةٌ”، وجاء هذا المعنى عن النبيِّ قال:” كلُوا، و اشربُوا، و تصدقُوا، والْبَسُوا في غيرِ إسرافٍ ولا مَخيلةٍ”رواه النسائي وابن ماجه وأحمد.

كُلْ ما شئتَ، والْبَسْ ما شئتَ، وأَنْفِقْ ما شئتَ بغيرِ إسرافٍ وبغيرِ خُيَلاءَ ومُفاخرةٍ واستكبارٍ؛ لأنَّ هذا ليس من صفاتِ المؤمنينَ أبَدًا.

ما هي مظاهر الإسراف وصوره؟

الإسرافُ والتَّبذيرُ عبادَ اللهِ يكونُ في صُوَرٍ متعدِّدةٍ:
1- الإسرافُ في الطَّعامِ والشَّرابِ: بعضَ النَّاسِ عندَ الوَلائمِ وحفلاتِ الأَعراسِ يُسرفُ في إحضارِ الطَّعامِ الذي لا يَأكُلُهُ إلا القليلُ، ثمَّ بَعضُهُمْ يُلقِيهِ في القِمامةِ ولا يَتصَدَّقُ بِمَا زادَ! فالإسرافُ في ولائِمِ الأَعراسِ ظاهرةٌ مُنتشرةٌ يجبُ أَنْ تُحارَبَ.
2 – الإسرافُ في اللِّباسِ: ولا سيَّمَا عندَ النِّساءِ، تَشترِي المَلابسَ الفاخرةَ الثَّمينةَ ثمَّ رُبَّما لا تَلبَسُها إلا مرَّةً واحدةً، وتَمتلئُ الخَزائنُ بالملابسِ، وتُنفَقُ الأَموالُ الطَّائلةُ والرواتبُ في شراءِ هذه الأَلبِسةِ.

3 – الإسرافُ في شِراءِ السِّلَعِ الثَّمينةِ: كالسَّاعاتِ والسَّيَّاراتِ والمَاركاتِ، يَدفعُ الإنسانُ أكثرَ من نِصفِ راتِبِه في دُيونٍ لَحِقَتْهُ بسببِ الإسرافِ والتَّبذيرِ، إنَّ كثيرًا من النَّاسِ لا يأتي عليه اليومُ العاشِرُ بعدَ الرواتِبِ إلا وقد أفلَسَ! وقد قال اللهُ عز وجل: ( وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا )الإسراء/29. فالإنسانُ إذا أنفَقَ كلَّ ما بيده سيَجلِسُ مَلُومًا -يَلُومُهُ النَّاسُ وأهلُهُ- ومَحسُورًا؛ أي مُنقطِعًا عن النَّفقةِ، ورُبَّما أضَرَّ بالنَّفقاتِ الواجبةِ عليه وعلى أُسرتِهِ.

4 – الإسرافُ في الماءِ والكهرباءِ:

ومن صُوَرِ الإسرافِ ما يَحصُلُ من إسرافِ النَّاسِ في استعمالِ المَاءِ والكهرباءِ في زَمانِنا:

أ- الإسرافُ في استعمالِ المَاءِ: جاءَ رجلا إلى النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ يا رسولَ اللَّهِ كيفَ الطُّهورُ فدعا بماءٍ …..فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا ثمَّ قالَ هكذا الوضوءُ فمن زادَ على هذا أو نقصَ فقد أساءَ وظلمَ – أو ظلم وأساء”رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه.

فلا يُشرَعُ لكَ أن تَغسِلَ يدَكَ أو وجهَكَ خَمْسَ مرَّاتٍ، وصَحَّ عن النبيِّ في الصَّحيحينِ أنَّهُ: “كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَغسِلُ، أو كان يَغتَسِلُ، بالصَّاعِ إلى خَمسةِ أمدادٍ، ويَتَوضَّأُ بالمُدِّ”البخاري ومسلم. والمُدُّ حَفْنةٌ بَكَفَّيِ الرَّجُلِ؛ يَتوضَّأُ منه النبيُّ ، ويَغتَسِلُ بالصَّاعِ (أربعةُ أَمدادٍ)، ولم تكن المَدينةُ في حَاجةٍ شديدةٍ لِلمَاءِ لِقلَّتِهِ بل كانتْ مليئةً بالآبارِ، ومَعَ ذلكَ ما كان النبيُّ يُسرفُ.

فبَعضُ النَّاسِ يَدخُلُ المَواضِئَ فَتَرَى هَدْرَ المِيَاهِ ويَعتَقِدُ أنَّ هذهِ عِبادةٌ! لا واللَّهِ، إنَّكَ آثِمٌ متعدٍّ لسُنَّةِ النبيِّ وهَديِهِ.

ب- الإسرافُ في استعمالِ الكهرباءِ: بالتَّبريدِ في غُرَفٍ غيرِ مُحتاجةٍ، والإضاءةِ نَهارًا، فهذه أَموالٌ تُهدَرُ وطاقاتٌ تُبَذَّرُ، فَاتَّقِ اللهَ عز وجل ولا تُصرِفِ المَالَ إلا في حَقِّهِ.

5 – الإسرافُ في الأَكْلِ والشُّربِ والضَّرَرُ البَدَنِيُّ:

الإسرافُ مرضٌ له آثارٌ كثيرةٌ، حتَّى من جهةِ الطَّعامِ والشَّرابِ؛ فامتلاءُ البَطْنِ بالطَّعامِ يَضُرُّ البَدَنَ، الأسراف في الشرب يضر البدن، والرسولُ يقولُ في الحديثِ الشَّريفِ: “ما ملأَ آدميٌّ وعاءً شرًّا مِن بطنٍ ، بحسبِ ابنِ آدمَ أُكُلاتٌ يُقمنَ صُلبَهُ ، فإن كانَ لا محالةَ فثُلثٌ لطعامِهِ وثُلثٌ لشرابِهِ وثُلثٌ لنفَسِهِ”الترمذي،النسائي،ابن ماجه.

فيكونُ الإنسانُ قادرًا على التَّنفُّسِ، ولا يَمتَلِئُ بحَيثُ لا أنه يَستطِيعُ التَّنفُّسَ، يقول الأطباء قديما إن البلاء من الامتلاء، لا تمتلئ من الطعام والشراب فإن هذا يضر بالصحة ويضر بالبدن يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «إنِّي لا آكُلُ مُتَّكئًا»، وكان النبيُّ إذا أرادَ أن يَأكُلَ ولا يَتَربَّعُ عندَ الأَكْلِ؛ قال العُلماءُ: لِكَي لا يَتوسَّعَ في الطَّعامِ.

عواقب الإسراف وآثاره السيئة؟

الإسرافُ يحمِلُ الإنسانَ الدُّيونَ الطَّائلةَ ويُعرِّضُهُ لِذُلِّ السُّؤالِ، ويَدفعُ بعضَ النَّاسِ لأَكْلِ المَالِ بالباطلِ لِكَي يُغطِّي ما عليهِ من النَّفقاتِ؛ فيَسرِقُ، أو يَنهبُ، أو يَغُشُّ، أو يَرتَشِي؛ لأنَّهُ وقَعَ في هذا الدَّاءِ والعِياذُ باللَّهِ، فأنفَقَ المَالَ في غيرِ حَقِّهِ.
وقد قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: “لا تَزولُ قَدَمَا عَبْدٍ يومَ القيامةِ، حتَّى يُسأَلَ عن عُمُرِه؛ فيمَ أفناه؟ وعن عِلْمِه؛ فيم فعَلَ فيه؟ وعن مالِه؛ من أين اكتسَبَه؟ وفيم أنفَقَه؟ وعن جِسمِه؛ فيمَ أبلاه؟”رواه الترمذي.

فأنتَ مسؤولٌ يومَ القيامةِ عن هذا المَالِ من جهتينِ: الكَسبِ والانفَاقِ:

-من أينَ اكتَسَبْتَ هذا المَالَ؟ أَمِن حَلالٍ أم حَرَامٍ؟

-ثمَّ هل أنفَقتَ هذا المَالَ فيما يُرضِي اللهَ سبحانَهُ وتعالى أم فيما يُغضِبُهُ؟