إن الحب للجميل مما غرز في طبائع البشر واصطبغت به فطرتهم، لا يملكون دفعه ولا اختيار لهم فيه، أما الحب بين الجنسين فهو يخضع للتربية والتهذيب ، وليس من شأنه سلب الاختيار بطبيعته، وإنما ينمو كغيره بالأعمال الاختيارية، حتى يخرج عن طوق الاختيار أحيانًا، لذا ينبغي الحذر من هذا الحب وعدم الاسترسال فيه .

الحب في مرحلة الشباب؟

يقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا-رحمه الله-:
استحسنا أن نجيب عن هذا الموضوع جوابًا مفيدًا ، لأمثال الناشئين الذين أنشأت بوادر الحب تعبث بنفوسهم، وتنشئ له في مخيلاتهم جنات باسقة الأشجار ، بهيجة الأزهار ، تجري من تحتها الأنهار ، وتغرد من فوقها الأطيار، تتهادى في أفيائها كواعب الأبكار ، فيتراءى لهم من سعادة الحياة في مناغاة أولئك الغادات ، في حدائق هاتيك الجنات، ما قد يشغلهم عن تحصيل العلم ، ويعوقهم عن تربية النفس ، ويجذبهم إلى مطالعة قصص الغرام التي تغذي تلك التخيلات والأوهام ، حتى يزين لهم التعرض للحب اختيارًا ، أو يقعوا في حبالته اضطرارًا ، فيجني عليهم ما يجني مما لا محل لذكره هنا.

معنى الحب بديهي ، لا يمكن تعريفه بما هو أجلى عند النفس منه.

فإذا قلت لك : إن حبك للشيء عبارة عن ميلك إليه ، أو هو انفعال ارتياح ، وأنس بالشيء المحبوب ، أو شعور ملائم للطبع ، مثاره أو منشؤه ذلك الشيء ، أو غير ذلك ، لا يزيدك ذلك معرفة بالحب ، وإنما يزيدك معرفة بالألفاظ المترادفة ، أو المتقاربة في المعنى ، فمن أحب شيئًا ما ، عرف معنى الحب المطلق في الجملة ، وحب ذلك الشيء بالتحديد ، وإذا فرضنا أنه يوجد في البشر من لا يحب شيئًا قط ، فإننا نجزم بأن إفهامه معنى الحب محال ، ومن أحب شيئًا دون شيء ، فإننا نعرفه معنى الحب المجهول عنده ؛ بتشبيهه بالمعروف له ، ولكن هذا التعريف يكون بالتقريب لا بالتحديد ؛ لأن حب الاحترام غير حب الشفقة ، وحب القرابة والصداقة ، غير حب الزوجية .

وصفوة القول أن الحب من الوجدانات التي لا يعرفها إلا من ذاقها كالسرور ، والفرح ، والخوف ، والحزن .

هل الحب إختياري أم إضطراري؟

وأما كونه اختياريًّا أو اضطراريًّا ؛ فهو مما اختلف فيه الباحثون ، فقال بعضهم بالأول ، وبعضهم بالثاني ، وذهب آخرون إلى أن أوله اختياري وآخره اضطراري ، وقد نظموا هذه الآراء ، واشتهرت فيها أشعارهم.
وإذا رجع الإنسان إلى نفسه ، وإلى ما يعرف عن أبناء جنسه ، ودقق النظر في ذلك ، يتجلى له أن لكل قول وجهًا ولكنه قاصر عن تمحيص الحقيقة ؛ وذلك أن الإنسان قد يحدث له الحب فجأة.

وقد يختار معاشرة بعض من يستحسن ، والتودد إليه لأجل أن يحبه فيحبه.

وقد يحب امرأً أو امرأة فجأة ، أو بعد تحبب ، ثم يفطن إلى أن هذا الحب لا خير فيه ، وأن تركه خير من البقاء عليه ، فيتكلف السلوّ بالبعد وترك المعاشرة حتى يسلو.

وقد يكون ضعيف الإرادة فاقد العزيمة ، لا يقوى على مغالبة الحب ، وإن هو اعتقد عبثه بشرفه ودينه ، وذهابه بماله ، وإفساده لمصالحه ، فيظل مغلوبًا له خاضعًا لسلطانه.

كل أولئك كان واقعًا معروفًا للمختبرين ، وما قال من قال : إن الحب اختياري دائما ، أو اضطراري مطلقا ، أو أوله اختياري وآخره اضطراري – إلا حكاية عما يجد في نفسه ، مع الغفلة عما عليه غيره من الناس ، وإلا فهو جاهل بنفسه وبغيره .

وإن شئت تفصيلاً ما لهذا الإجمال ، فلا تنس أن موضع الخلاف هو حب الشهوة الذي يسمى عشقًا : كحب الرجل للمرأة التي يشتهي أن يقترن بها ، حبًّا يملك شعوره ووجدانه ، لا مطلق حب الإنسان الجميل ، أو القريب ، أو المحسن ، أو الفاضل ، فإن الحب المطلق للجميل المستحسن من الإنسان وغير الإنسان ، مما غرز في طبائع البشر ، واصطبغت به فطرتهم ، لا يملكون دفعه ولا اختيار لهم فيه.

هل العشق اضطراريا؟

قلما يكون العشق اضطرارًا ، بل الغالب فيه أن يستحسن المستعد للعشق ، من تحسن صورته أو صورتها في عينه ، وتحل محلاًّ من قلبه ، فيطيل في ذلك الفكر والتخيل ، ويعود إلى النظر والتأمل ، ويتدرج من ذلك إلى المكالمة والمعاشرة ، حتى يصير عاشقا ، واسترساله في هذه الأمور يكون باختياره في الأكثر ، وما كان من الخواطر والتخيلات الأولى بغير اختيار ، تسهل مدافعته بتكلف التفكر في غيره قبل أن يتمكن ، ولذلك عبَّرنا بلفظ الاسترسال ، ومن سبر هذا وفقهه حق الفقه ، يجزم بأن أكثر الذين عشقوا ما بلغوا في ميلهم واستحسانهم إلى درجة العشق ، إلا بأعمال نفسية وبدنية ، استرسلوا فيها باختيارهم ، ولو شاءوا لما استرسلوا ، ولو لم يسترسلوا لما عشقوا ، ولكنهم اختاروا أن يعشقوا ؛ لأنهم توهموا أن في العشق غبطة وهناء ، ونعمة وسعادة .

-ومن النادر الذي يبعد تصوره ويعسر تعليله ، أن ينظر الإنسان إلى صورة جميلة ، فيفجأه عشقها مستغرقًا شعوره ووجدانه ، مالكًا عليه أمره ، سالبًا منه إرادته واختياره ، ذلك بأن الانفعالات التي تعرض للنفوس ، لا تكون بالغة منتهى القوة والشدة إلا إذا اصطدمت بوجدان يقابلها : كالحزن الشديد لفقد المحبوب العزيز ، والفرح الشديد بلقائه بعد اليأس منه ، وكالخوف على الحياة من خطر مفاجئ .

-وقد يقال :إن داعية النسل قد تقوى في بعض الناس الذين ليس لهم شواغل عقلية ، فتحدث استعدادًا يستغرق الوجدان ، ويعم تأثيره المجموع العصبي ، فيتفق أن يرى صاحب هذا الوجدان في هذه الحال من الصور ذوات الجمال ما يشاكله ، فينفعل لرؤيته انفعالاً شديدًا ، ويتمكن تأثيره في نفسه لأول وهلة ، فلا يكون له اختيار فيه ، ولا مطمع في تلافيه ، ولكن هذا نادر كما قلنا آنفًا ، والنادر لا حكم له كما يقولون .

والغرض من هذا البيان ، أن الحب الذي تثيره داعية النسل كسائر أنواع الحب ، يخضع للتربية والتهذيب ، وليس من شأنه سلب الاختيار بطبيعته ، وإنما ينمو كغيره بالأعمال الاختيارية ، حتى يخرج عن طوق الاختيار أحيانًا لا سيما مع ضعفاء الإرادة ، وأهل البطالة ، فقد يولع المرء بلعب الشطرنج أو اللهو بإطارة الحمام ، حتى يرى تركهما فوق إرادته واختياره.

فعلى الناشئين أن لا يسترسلوا مع أهوائهم في الحب ؛ لئلا يحكم عليهم سلطانه الجائر حكمًا يتجرعون غصصه طول حياتهم .