الحاكمية دين نتعبد به إلى الله سبحانه وهي جوهر العقيدة وتعني أن الذي خلق الإنسان ووهبه الحياة والنعم من حقه أن يأمره وينهاه، ولكن لا يعني ذلك تقييدها لحركة الإنسان في الحياة وأنها لم تترك له مجالا ليختار، فالشريعة الإسلامية لم تأت إلا بالأطر العامة وما وراء ذلك فهو متروك للعباد يقررون ما فيه خيرهم وسعادتهم وهذا من فضل الله على عباده.
يقول فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي:
موضوع الحاكمية حصل فيه لبس وخلط كبير، فقضية الحاكمية لا خلاف فيها في الفقه الإسلامي والفكر الإسلامي، علماء الأصول يبحثون في مقدمات علم الأصول عن موضوع اسمه الحكم، فيتحدثون عن الحاكم.. عن الحكم.. معنى الحكم، والحاكم، والمحكوم به، والمحكوم عليه.
فعندما يتحدثون عن الحاكم يقولون: الحاكم هو الله تبارك وتعالى، ولا خلاف في هذه القضية حتى بين أهل السنة وبين المعتزلة، فالله سبحانه وتعالى يقول في محكم التنزيل(أفغير الله أبتغي حكما).
فالتوحيد له ثلاثة أقسام:
-أن لا تبتغي غير الله ربا: (قل أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شيء).
-أن لا تتخذ غير الله وليا: (قل أغير الله أتخذ ولياً فاطر السموات والأرض).
-أن لا تبتغي غير الله حكما: ً (أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً).
ومعنى الحاكمية أي لا يحكم الإنسان غير الله ، فهذا أمر أساسي في العقيدة الإسلامية باعتبار أن الله هو مالك هذا الكون، وهو خالق الناس وواهب الحياة وصاحب النعم، فمن حقه أن يحكم عباده وأن يأمرهم وينهاهم .
فالحاكمية هنا معناها الحاكمية الآمرة، وليس معنى هذا أنها تحكم في كل شيء، ولا تدع للناس مجالاً ليختاروا فيه ، فالإسلام لم ينص على كل الأحكام ولا على كل الأشياء، فهناك أشياء نُص عليها وأشياء تركت للناس كما جاء في حديث أبي الدرداء الذي رواه الحاكم وغيره مرفوعا: “ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئاً، ثم تلا قول الله تعالى (وما كان ربك نسياً)” فما سكت عنه فهو عفو، وهذه المنطقة سميتها في كتابي “عوامل السعة والمرونة في الشريعة الإسلامية” سميتها منطقة العفو –الفراغ التشريعي- ، أخذاً من هذا الحديث، ليس فيها أوامر ملزمة ولا نواهي ملزمة، تركت للناس، وهذا من فضل الله تبارك وتعالى، فالحاكمية ليس معناها أنها تحكم الناس في كل شيء، ولكن تضع لهم الأصول الضابطة لحياتهم.