ورد هذا الحديث الصحيح: “ألا أُخبِرُكَ بأهلِ النَّارِ ؟ كلُّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ مستكبِرٍ ، جَمَّاعٍ مَنُوعٍ ، …”.
معنى الحديث :
أن أهلُ النَّارِ همْ كلُّ «عُتُلٍّ» وهو الفَظُّ الغليظُ شَديدُ الخُصومةِ، أو الفاحشُ الذي لا ينقادُ لخيرٍ، «جَوَّاظٍ» وهو المتكبِّرُ صاحبُ الجَسدِ الضَّخمِ، المختالُ في مِشْيتِه، وقيلَ: سَيِّئُ الخُلُقِ، «مُستَكبِر» على النَّاسِ بغيرِ حَقٍّ؛ فاستحَقَّ النَّارَ.

قال الإمام المناوي في فيض القدير :
جعظري :
أي فظ غليظ متكبر ، أو جسم عظيم أكول .
و(جواظ) : أي جموع منوع أو ضخم مختال في مشيته، أو صياح مهدر مستكبر أي : متعاظم مرتفع تيهاً وعجباً {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} أهـ

-فالرجل الجعظري الجوّاظ لا يقوم على شرع الله ، ولا يهتم بأمر الآخرة بل تهمه الدنيا ،فهو لا يشبع منها ، و لا يعمل للآخرة بل لبطنه ،فمن ثم تجده يقضي نهاره في السوق ينادي على سلعته ،و يأخذ في الصياح هنا و هناك ، و تكون هذه عادة له ، فإذا جن الليل يخلد للنوم كأنه جيفة ،والجيفة لا تكون إلا للميت ، وهذا الرجل إن لك يكن ميتا بالفعل ، ولكن أشبه الأموات ، فالأموات لا يقدمون أي عمل صالح أو غير صالح لخروجهم من دائرة التكليف . أما هذا فلا يقدم إلا الشر في النهار؛ أما ليله فليس له فيه عمل يرفع لربه ، ومن هنا عبر عنه بالجيفة .
أما في النهار فهو يأخذ في الصياح على سلعته لكي تباع ، بصوت منكر بشع تكرهه النفوس ، و لأن أنكر الأصوات صوت الحمار شبه هذا الرجل بالحمار ،كما أنه يشترك مع الحمار في أوصاف أخرى غير نكارة الصوت ،مثل البلادة و الغباء ،وهذا يظهر في أنه لا يعرف أن الغاية من وجوده هي عبادة الله و والإخلاص فيها بل ظن أن هذه الدنيا دار للملذات فلذلك كان من أعلم أهل الدنيا بها أما الآخرة فلم ترد له على بال ، ولذلك راح يمرح و يرتع في الدنيا كالبهائم بل هو أضل .

وقد حكى الخطّابي في تفسيره أن الجوّاظ هو : الكثير اللحم ، المختال في مشيه ، و هذا التفسير للفظة ( جوّاظ) يرسم لنا صورة لرجل جشع نهم لا يرى في هذه الدنيا إلا أنها دار للأكل ؛ فلذلك كثر لحمه و سمن بدنه ، كما أن من صفاته التي استحق أن يذم من أجلها تكبره على عباد الله ، وفي حديث عبدالله بن عمرو عن النبي : “يُحشَرُ المتكبِّرون يومَ القيامةِ أمثالَ الذَّرِّ في صُوَرِ الرِّجالِ يغشاهم الذُّلُّ من كلِّ مكانٍ يُساقون إلى سجنٍ في جهنَّمَ يُقالُ له : بُولَسُ تعلُوهم نارُ الأنيارِ يُسقَوْن من عُصارةِ أهلِ النَّارِ طِينةَ الخَبالِ”الترمذي،أحمد.

ولذا نجد أن الرسول انتقى كلمة خشنة ثقيلة على اللسان مستكرهة في الأسماع .

و هذه هي صورة الرجل الجعظري الجواظ ، تكره العين رؤيته ، وتمج الآذان صوته ، مستثقل على النفوس كلما غدا أو راح .