من كان في صراع دائم مع نفسه فقضيته متعلّقة بالثّبات على الدّين، والتمسّك بأحكام الإسلام ، فإننا نذكر له الملاحظات التالية :

أولا : الذي يأتيه في داخله ويقول له إنك لا بدّ أن تكون مسلما، يُمكن أن يكون مَلَكًا من الملائكة، لأنّ النبي قال : “إن للشَّيطانِ للمَّةً بابنِ آدمَ ، ولِلمَلك لَمَّةٌ ، فأمَّا لمَّةُ الشَّيطانِ فإيعادٌ بالشَّرِّ وتَكْذيبٌ بالحقِّ ، وأمَّا لمَّةُ الملَكِ فإيعادٌ بالخيرِ وتصديقٌ بالحقِّ . فمَن وجدَ ذلِكَ فليعلم أنَّهُ منَ اللَّهِ ، فليحمَدِ اللَّهَ ، ومن وجدَ الأخرى فليتعوَّذ منَ الشَّيطانِ . ثمَّ قرأَ : الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا الآيةَ” النسائي،الترمذي،ابن حبان.

-وقوله : ( إن للشيطان ) أي إبليس أو بعض جنده ( لَمَّة ) من الإلمام، ومعناه النزول والقرب والإصابة , والمراد بها ما يقع في القلب بواسطة الشيطان أو المَلَك ..

-وقوله : ( إيعاد بالشر ) كالكفر والفسق والظلم، ( وتكذيب بالحق ) أي في حق الله، أو حق الخلق، أو تكذيب بالأمر الثابت، كالتوحيد والنبوة والبعث والقيامة والنار والجنة.

-وقوله ( وأما لمة الملك فإيعاد بالخير ) كالصلاة والصوم ( وتصديق بالحق ) ككتب الله ورسوله.

-وقوله ( فمن وجد ) أي في نفسه أو أدرك وعرف ( ذلك )، أي لمّة الملك ( فليعلم أنه من الله )، أي منّة جسيمة ونعمة عظيمة واصلة إليه ونازلة عليه، إذْ أمَر الملك بأن يلهمه ( فليحمد الله )، أي على هذه النعمة الجليلة، حيث أهَّله لهداية الملك ودلالته على ذلك الخير.

-( ومن وجد الأخرى ) أي لمّة الشيطان، ( ثم قرأ ) أي النبي استشهادا { الشيطان يعدكم الفقر } أي يخوفكم به ليمنعكم عن الإنفاق في وجوه الخيرات { ويأمركم بالفحشاء } أي المعاصي .

وعلى ضوء هذا الحديث العظيم يتبين لك أيها المسلم، أنّ هذا الآتي بالخير، الذي يأتيك نعمة من الله، فاحمد الله عليها، والآتي الآخر الذي يسوّل لك المعاصي بكافة أشكالها هو من الشّيطان ، فاستعذ بالله منه، كلما أورد عليك هذه الخواطر الخبيثة .

ثانيا : لا يهمك كثرة الهالكين حولك ، ولا تعتبر بهذه الجحافل السادرة في غيّها، الغارقة في شهواتها، الغافلة عمّا خُلقَتْ من أجله ، قال الله تعالى : ( وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ )الأنعام116 ، وقال تعالى : ( وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ )يوسف103 .

أيها المسلم : ما قيمة الحياة إذا كان الإنسان يعيش فيها تابعًا لأهوائه، منغمسًا في الرذائل، يرقص ويغني ، يسكر ويُعربد ، يفجر ويزني، ويرتع كالبهائم ، قال الله تعالى: (أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ ) الأعراف179.

ثالثا : في خضم الجوّ السيّئ الذي تعيش فيه، المملوء بكثرة غير المتمسكين بدينهم، والذين ربّما لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه، وفي غمرة الفتن والمغريات المحيطة بك ، لا بدّ أن تعتصم بالله، وتستمسك بشريعته، وتُقبل عليه، وتكثر من دعائه بأن يحفظك من الإثم، ويثبتّك على الدّين.

والزم هذا الدّعاء : ” يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ ” لأنّ أمّك أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها روت عن زوجها ونبيك محمد : أنه كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يُكثرُ أن يقولَ يا مقلِّبَ القلوبِ ثَبِّتْ قلبِي على دينِك فقلت يا نبيَّ اللهِ آمنَّا بك وبما جئتَ به فهل تخافُ علينا؟ قال نعم إن القلوبَ بينَ إصبعينِ من أصابعِ اللهِ يُقلِّبُها كيفَ يشاءُ”الترمذي،أحمد،ابن ماجه.

رابعًا : حاول البحث عن صحبة صالحة، تتواصى معهم على الحقّ والصّبر، وتعينك على طاعة الله تعالى، قال تعالى: ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا )الكهف28.