إنَّ من العباداتِ القلبيَّةِ العظيمةِ التي أمر اللهُ تعالى بها في كتابِه وحثَّ عليها رسولُهُ : عبادةُ التَّوكُّلِ على اللهِ، والتوكُّلُ هو تفويضُ الأَمْرِ للهِ سبحانه وتعالى والاعتمادُ بالقلبِ عليه جلَّ جلالُه، وهو سببٌ عظيمٌ في حصولِ المطلوبِ ودفعِ المَرهوبِ.

يقولُ اللهُ عز وجل عن عبادِه المؤمنينَ: ( الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ )النحل/42، فهذه من صفاتِ المؤمنينَ الخاصَّةِ؛ أنَّهم يصبرونَ ويتوكَّلونَ على اللهِ جلَّ جلالُه، وقال اللهُ تعالى مخاطِبًا عبدَهُ ونبيَّهُ: ( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ )الفرقان/58.

فقد تعتمدُ على إنسانٍ فيموتُ، وتعتمدُ على مخلوقٍ فيضعُفُ! فاللهُ عز وجل يُنبِّهُ عبادَهُ إلى تعليقِ قلوبِهم بالحيِّ القيُّومِ الذي لا يموتُ ولا ينامُ.

والرسولُ يقولُ لأصحابِه: “لو أنَّكم كنتُم توَكلونَ علَى اللهِ حقَّ توَكلِه لرزقتُم كما يرزقُ الطَّيرُ تغدو خماصًا وتروحُ بطانًا”رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد.

لو المؤمنُ يتوكَّلُ على اللهِ حقَّ التَّوكُّلِ ويعتمدُ بقلبِه على ربِّه لرزقَهُ اللهُ عز وجل كما يرزقُ الطَّيرَ؛ فالطَّيرُ ليس له وظيفةٌ ولا راتبٌ مقرَّرٌ، وإنَّما يخرجُ في الصَّباحِ يبتغي من رزقِ اللهِ عز وجل، مبتغي الخير من الله سبحانه وتعالى.

الاقتداء بالأنبياء في التوكل على الله؟

النبيُّ ومن قبلِهِ من الأنبياءِ عليهم السلام ضربوا أروعَ الأمثلةِ في التَّوكُّلِ على اللهِ منها:
1- إبراهيمُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: يقولُ ترجمانُ القرآنِ ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: “حَسبُنا اللهُ ونِعمَ الوكيلُ، قالها إبراهيمُ عليه السَّلامُ حينَ أُلقيَ في النَّارِ”رواه البخاري. و(حَسْبُنَا اللَّهُ) أي: كافينا اللهُ سبحانه وتعالى. قال هذه الكلمةَ أبو الأنبياءِ وإمامُ الحنفاءِ إبراهيم عليه الصلاة والسلام لمَّا أُلْقِيَ في النَّارِ؛ إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام، نبيٌّ وحدَهُ ضعيفٌ ليس له من يدفعُ عنه، اجتمعتْ عليه أمَّةٌ فأوقدوا له نارًا عظيمةً ثمَّ ألقَوْهُ فيها، فقال: حسبُنا اللهُ ونعمَ الوكيلُ، فقال المولى جلَّ جلالُه في السماء: ( قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ )الأنبياء/69، فنجَّاهُ اللهُ عز وجل وخرجَ من النَّارِ ليس به شيءٌ.

2 – النبيُّ وأصحابُهُ: هذه الكلمةُ (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) قالها النبيُّ وأصحابُهُ في غزوة الخندق، لمَّا حشدَ المشركونَ والكَفَرَةُ جنودَهُم على رسولِ اللهِ وأصحابِه في المدينةِ وأحاطوا بهم، قال اللهُ عز وجل: ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ )آل عمران/173-174، وذلك باعتمادِهِم على اللهِ وتوكُّلِهِم عليه جلَّ جلالُه وتقدَّستْ أسماؤُه.

هل يجوز التوكل على الله دون الأخذ بالأسباب؟

التَّوكُّلُ على اللهِ لا يعني تركَ الأسبابِ المشروعةِ؛ لأنَّ الذي أمرَكَ بالتَّوكُّلِ عليه في الرِّزقِ هو الذي قال لكَ: ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ )الملك/15.
كان هناك ناسٌ يخرجونَ إلى الحَجِّ بلا زادٍ ويقولونَ: “نحن المتوكِّلونَ على اللهِ عز وجل!”، فإذا جاؤوا إلى مكَّةَ سألوا الناسَ الطَّعامَ، فقال اللهُ عز وجل: ( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ )البقرة/197.

فلا تشربِ السُّمَّ أو تُلقِ بنفسِكَ في التَّهلكةِ وتقولُ: “أنا متوكِّلٌ على اللهِ!”؛ لا، فهذا يخالفُ الأسبابَ التي أمرَ اللهُ سبحانه وتعالى بها: ( وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ )البقرة/195، وقال تعالى: ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا )النساء/29.

الالتجاءِ إلى اللهِ وإحسانُ الظَّنِّ بهِ؟

نعيشُ أيَّامًا صعبةً فيها حربٌ وضربٌ، وعلى المؤمنِ أن يلجأَ إلى اللهِ سبحانه وتعالى ويسألَهُ العفوَ والعافيةَ والحفظَ والسَّلامةَ والنَّصرَ على الأعداءِ، فإنَّ ذلك من أعظمِ الأسبابِ التي تُنجِي العبدَ من كلِّ شرٍّ ومكروهٍ في الدُّنيا والآخرةِ.

1 – الالتجاءُ إلى اللهِ بالدُّعاءِ: في كلِّ صلاةٍ وفي أوقاتِ الإجابةِ، وفي يومِ الجمعةِ في آخرِ ساعةٍ من يومِ الجمعةِ فهي ساعةُ إجابةٍ، فلا تغفلْ عنها يا عبدَ اللهِ.

2 – إحسانُ الظَّنِّ باللهِ: أحسِنْ ظَنَّكَ باللهِ، فإنَّ اللهَ تعالى يقولُ في الحديثِ القدسيِّ: “أنا عند ظنِّ عبدي بي فليظُنَّ بي ما شاء”أحمد وابن حبان، وفي روايةٍ: “أنا عندَ ظَنِّ عبدي بي ، إن ظَنَّ خيرًا ، فلهُ ، وإن ظَنَّ شرًّا فلهُ”رواه أحمد.

فأحسِنِ الظَّنَّ باللهِ تبارك وتعالى بعد إحسانِ العملِ، وبعد التَّوبةِ والاستغفارِ، وبعد ردِّ الحقوقِ إلى أهلِها، وبعد نصرِ الضعفاءِ وعدمِ ظلمِهِم، فهذا من أعظمِ أسبابِ النَّصرِ؛ قال : ابغوني الضُّعفاءَ ، فإنَّما تُرزقونَ و تُنصرونَ بضعفائِكُمْ”رواه أبو داود والترمذي. فدعوةُ الضعيفِ مستجابةٌ، إن دعا لكَ نجَّاكَ اللهُ سبحانه وتعالى، وإن تصدَّقتَ على ضعيفٍ فدعا لكَ كان في ذلك خيرٌ عظيمٌ لكَ.