يرى كثير من الفقهاء أن النذر لابد فيه من التلفظ، وأن النية وحدها لا تكفي، وهو رأي جمهور الفقهاء، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة، وهذا خلافا للمالكية الذين يرون أن انعقاد النذر بالنية وحده يكفي لنفاذه.

هل يشترط في النذر النية؟

الراجح أن النذر يفتقر إلى النية والدليل على ذلك ما يلي :
روى مسلم عن عائشة قالت: “كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أرادَ أن يَعتَكِفَ صَلَّى الفَجرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعتَكَفَه، وإنَّه أمَرَ بخِبائِه فضُرِبَ، أرادَ الاعتِكافَ في العَشرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ، فأمَرَت زَينَبُ بخِبائِها فضُرِبَ، وأمَرَ غَيرُها مِن أزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بخِبائِه فضُرِبَ، فلَمَّا صَلَّى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الفَجرَ نَظَرَ، فإذا الأخبيةُ، فقال: آلبِرَّ تُرِدنَ؟ فأمَرَ بخِبائِه فقُوِّضَ، وتَرَكَ الاعتِكافَ في شَهرِ رَمَضانَ، حتَّى اعتَكَفَ في العَشرِ الأوَّلِ مِن شَوَّالٍ”.

-قال المصنف ابن تيمية الجد صاحب منتقى الأخبار رحمه الله تعالى: وفي الحديث أن النذر لا يلزم بمجرد النية ، واستدل به أيضا على جواز الخروج من العبادة بعد الدخول فيها.

ويعلق الإمام الشوكاني قائلا :
وأجيب عن ذلك بأنه لم يدخل المعتكف، ولا شرع في الاعتكاف، وإنما هم به ثم عرض له المانع المذكور فتركه فيكون دليلا على جواز ترك العبادة إذا لم يحصل إلا مجرد النية .

كما يستشهد لوجوب التلفظ في نفاذ النذر القياس على الطلاق ،فلو نوى المرء الطلاق ولم يتلفظ به ، لم يقع الطلاق .
قال الإمام السيوطي في كتابه الأشباه والنظائر :

ومن فروع النية : لو نوى النذر أو الطلاق بقلبه ولم يتلفظ , لم ينعقد النذر ولا يقع الطلاق.

هل يصح النذر بالنية من غير قول؟

قال الإمام النووي في المجموع:-
هل يصح النذر بالنية من غير قول أو بالإشعار أو التقليد- المقصود تعليم الهدي بعلامة معينة ليعرفه الفقراء من غير تلفظ بالقول – أو الذبح مع النية ؟ فيه خلاف ، والصحيح باتفاق الأصحاب أنه لا يصح إلا بالقول , ولا تنفع النية وحدها. والأكمل في صيغة النذر أن يقول مثلا : إن شفى الله مريضي فلله علي كذا ، و لو قال : إن شفى الله مريضي فلله علي كذا إن شاء الله , أو إن شاء زيد فشفي , لم يلزمه شيء , وإن شاء زيد , كما لو عقب الأيمان والطلاق والعقود بقوله : إن شاء الله فإنه لا يلزمه شيء .انتهى

-أما المالكية الذين يرون أن النذر ينعقد بالنية دون اللفظ ،فقد استشهدوا بقوله تعالى : ( وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ )التوبة:75، كما نقل الإمام ابن العربي أقوال بعض المالكية في تفسير الآية فقال: إنه عاهد بقلبه , والدليل عليه قوله : { وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ } إلى قوله : ( فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ )التوبة:77.ا.هـ

وقالوا : إن العهد والطلاق وكل حكم ينفرد به المرء ولا يفتقر في عقده إلى غيره , فإنه يلزمه منه ما يلتزمه بقصده , وإن لم يتلفظ به .
-ولكن الإمام ابن العربي وهو مالكي ضعف هذا الاستدلال فقال: وهذا استنباط ضعيف , واستدلال عليه فاسد فإنه يحتمل أن يكون عاهد الله بلسانه , ولم يعتقد بقلبه العهد . ويحتمل أن يكون عاهد الله بهما جميعا , ثم أدركته سوء الخاتمة فإن الأعمال بخواتيمها , والأيام بعواقبها .ا.هـ

-وفرق الفقهاء بين تعيين النذر ،فلابد فيه من اللفظ وبين إطلاق النذر ، فالجمهور أنه من صريح النذر،ويرى سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد أنه لابد من تعيين النذر ،وإلا لم يكن هناك نذر واجب.

والخلاصة أن المرء ما دام لم ينطق بالنذر فليس عليه النذر وجوبا ،وإن استحب له أن يأتي به إحسانا ،ومادام المرء قد نطق بالنذر فلا فرق بين كونه عين النذر ،وبين أنه أطلقه ،فقد أصبح النذر واجبا بعد النطق به .