يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:

ها هي الإجازة الصيفية قد ألقت ظلالها على أكثر بلاد المسلمين، وهذه الإجازة لا شك أنها من أعمارنا، وهي أوقات نسأل عنها عند الله عز وجل. فإن الله تبارك وتعالى يسأل العبد يوم القيامة، كما جاء في الحديث الصحيح عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله : “لن تزول قدما عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسأَلَ عن أربعِ خِصالٍ : عن عُمرِه فيما أفناه ، وعن شبابِه فيما أبلاه ، وعن مالِه من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن عِلمِه ماذا عمِل فيه”.أمور خمسة يسأل عنها العبد يوم القيامة.

العمر يا عباد الله جعله الله للإنسان ليكتسب فيه خيرًا، ويبتليه فيه بالعمل الصالح، كما قال سبحانه وتعالى: ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا )الملك/2، فالله تعالى ما أعطاك هذا العمر إلا ابتلاءً واختبارًا لك، الله يختبرك في هذه الأيام، وفي هذه الشهور، وفي هذه السنين، يبتليك ويختبرك ليراك أتحسن العمل أم غير ذلك.

أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا؟

الله تبارك وتعالى ما خلقنا عبثًا، تعالى الله عز وجل عن العبث، وما خلقنا سدى ولا لهوًا، قال عز وجل: ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ )المؤمنون/115-116، تعالى الله أن يخلق شيئا عبثا من غير حكمة.
وقال سبحانه وتعالى: ( أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى )القيامة/36.

قال الإمام الشافعي رحمه الله: لا يؤمر ولا ينهى؟ أيظن الإنسان أن الله تعالى خلقه دون أن يأمره بواجبات وينهاه عن منهيات؟ ليعرف المؤمن الطائع الشاكر الصابر لربه سبحانه وتعالى من غيره.

الأوامر الشرعية، والواجبات والنواهي والمحرمات، يعرف بها الإنسان هي محك يختبر فيه العبد؛ يختبرك الله عز وجل في كل يوم خمس مرات، حين ينادي المنادي إلى الصلوات، فأنت تختبر إذا نادى المنادي: حي على الصلاة حي على الفلاح، فهل تسمع وتطيع وتلبي النداء وتقول نعم وتأتي إلى بيوت الله؟

الله تعالى يختبرك في كل يوم، بل في كل ساعة، وفي كل موطن، يتعرض في العبد في حياته إلى الاختبار والابتلاء، هل يكون من الطائعين الصادقين الصالحين، أم من الناكثين للعهود والمواثيق.

يا من عاهدت الله على كلمة لا إله إلا الله، وعاهدت الله على التوحيد، وعاهدت الله على الإسلام، الله تعالى يختبرك على مر الأيام والساعات والشهور والسنين، وأنت دائمًا في اختبار وابتلاء لينظر “أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا”.

كيف يكون حسن العمل؟

الله عز وجل ينظر إلى حسن العمل قبل كثرته قال سبحانه وتعالى: ( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا )الملك/2، فركعتان تخشع فيهما، وتقنت فيهما، وتقبل فيهما على ربك، خير من عشر ركعات بلا خشوع ولا حضور قلب، بل بسهو ولهو.
أنت يا عبد الله مسؤول أمام الله عن عمرك: فيما أفنيته؟ أنَّ رجلًا قالَ : يا رسولَ اللَّهِ أيُّ النَّاسِ خيرٌ ؟ قالَ : “مَن طالَ عمرُهُ ، وحَسنَ عملُهُ ، قالَ : فأيُّ النَّاسِ شرٌّ ؟ قالَ : مَن طالَ عمرُهُ وساءَ عملُهُ”الترمذي،أحمد، فإن كل يوم يمر بك إما أن يكون حجة لك عند الله، وإما أن يكون حجة عليك.

قال الحسن رحمه الله: ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي منادٍ: يا عبد الله، أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فاغتنم مني فإني إلى يوم القيامة لا أعود. كل يوم ينشق فجره كأن مناديا ينادي العباد أنا خلق جديد…..، فكل يوم يشهد عليك بما قدمت من عمل صالح أو طالح.

والله لو اجتمع من بأقطارها على أن يعيدوا الليلة البارحة ما استطاعوا؛ ما فات فات، وما ذهب ذهب، لا يرجع أبدًا. فاغتنم هذه الأيام، أيام الإجازة، بالأعمال الصالحة، وبالفوائد، وبما تستفيد منه من قول أو عمل أو دنيا.

ما هي مسؤولية الشباب في الإجازة؟

الشباب وقت النشاط، وقت القوة، وقت العافية، وقت الصحة، فينبغي للشاب أن يكون مقبلًا على الله عز وجل في أيام شبابه، وينال بذلك المراتب العالية عند الله عز وجل.قال : “سَبعةٌ يُظِلُّهمُ اللهُ في ظِلِّه يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه: الإمامُ العادِلُ، وشابٌّ نَشَأ في عِبادةِ رَبِّه ……….”البخاري،مسلم.
ولا ينشأ الشاب على عبادة الله إلا بتوجيه الأبوين، إلا بتوجيه الأب وتعليم الأم.

وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما عوده أبوه.

فإذا عوده أبوه على المساجد وعلى الصلاة وعلى احترام الناس، وحفظ الحقوق والبعد عن الحرام، نشأ الفتى على ذلك.

عود ابنك على التدين والصلاح والخوف من الله، ومراقبة الله قبل مراقبة الأب، ولا تعود ابنك على أن يخافك أنت ؛ بل عوده أن يخاف الله سبحانه وتعالى، حتى إذا ابتعدت عنه أو خلا في صحبة أو بنفسه راقب الله عز وجل، فالشاب يسأل عن شبابه فيما أبلاه، يسأل يوم القيامة عن ذلك.

ما هي نعمة الصحة والفراغ؟

أمر الفراغ من النعم، ولا بد أن نعلم أن الفراغ نعمة من الله عز وجل، كما قال في حديث البخاري، عن رسول الله قال: “نعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ منَ النَّاسِ الصِّحَّةُ والفراغُ”، المغبون هو الذي يبيع النفيس الثمين الغالي بالزهيد من الدراهم، عنده جوهرة ثمينة تساوي مئات الألوف يبيعها بثمن مغبون.
المغبون هو الذي يخسر في تجارته خسارة عظيمة؛ فالذي يفرط في صحته، ويعرض فراغه للضياع، كمن باع غاليًا بثمن بخس. فاحذر يا عبد الله أن تبيع الصحة والفراغ بالأشياء التوافه، وأن تمضي الساعات الطوال على اللعب الذي لا ينفع.

احمِ أبناءك يا عبد الله، يا أيها الأب ويا أيتها الأم، احموهم من الألعاب الإلكترونية التي يمضون عليها الساعات الطوال بلا فائدة، نعم لا نمنع من اللعب المباح، لكن هذه الألعاب حذر منها صانعوها قبل غيرهم، أنها تؤثر على الأطفال على أدعمغتهم على قلوبهم على أعصابهم، لا ينبغي ألا تكون هذه الألعاب سببًا للمرض، أو لتدمير الصحة، أو لضياع الأوقات الطويلة بلا فائدة.

اشغلهم بهواية نافعة، واشغلهم بتعلم كتاب الله، واشغلهم بالصحبة الصالحة، فإن البطالة ليست من صفات عباد الله الصالحين، وهذه الأيام من أعمارهم، وهم مسؤولون عنها بين يدي الله.

كيف يخطط الأبوان للإجازة؟

الإجازة تحتاج إلى التخطيط والتفكير والتدبير من قبل الأبوين، فيخططان للأعمال النافعة وللأعمال الصالحة، ولإشغال الأبناء فيما يعود عليهم بالنفع. احذر أن تترك أولادك سبهللًا سدى يفعلون ما يشاءون، يخرجون من البيت ولا تدري إلى أين يذهبون، ولا في أي ساعة يرجعون.
الأبناء أمانة عظيمة، وهم أغلى ما يملك الإنسان، فاحذر يا عبد الله، فإن هذه الأزمنة كثرت فيها الفتن، وكثرت فيها المشكلات الشبابية، وكثرت فيها الزمر الفاسدة التي قد تجر أبناءك إلى ما لا يرضي الله عز وجل.

اشغلهم بتسجيلهم في الأندية النافعة، وها هي الجمعيات الخيرية تفتح أبوابها لاستقبال الطلبة والطالبات، وها هي الحلق القرآنية تستقبل الشباب والبنات، وغيرها كثير من المناشط الصيفية النافعة.

بماذا تُستغل الإجازة؟

لا مانع من استغلال الإجازة بالسفر النافع، وأعظم ذلك السفر إلى بيت الله الحرام، والسفر إلى حرم رسول الله ، والسفر إلى صلة الأرحام، والسفر إلى المناطق التي فيها السياحة المباحة.
وليحذر الإنسان أن يسافر إلى بلاد الكفر والفجور، ولا يذهب بأبنائه إلى بلاد منحلة أخلاقيًا فيتأثروا بما يشاهدون وينظرون إليه من عوائد غريبة وتفسخ أخلاقي؛ فإن الأولاد أمانة، وكل راعٍ مسؤول عن رعيته.

قال : “كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ ….. والرجلُ راعٍ على أهلِ بيتِهِ وهو مسؤولٌ عنهم والمرأةُ راعيةٌ على بيتِ بعلها وولدِهِ وهي مسؤولةٌ عنهم….”البخاري،مسلم. فليهيئ الأبوان للأبناء ما ينفعهم من العادات والهوايات النافعة.

ومما ينفع الأبناء:كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل”، فهذه هوايات تقوي البدن وتذهب الفراغ القاتل؛ لأن الفراغ يضر الإنسان، وإذا وجد معه المال والشباب كان بلاءً على بلاء.

إن الفراغ والشباب والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة.

فإذا اجتمعت هذه الأمور، وجود المال بيد الشاب الصغير مع العمر والفراغ، فإن هذا داعٍ يدعوه إلى الشر إذا لم ينتبه ولي الأمر، ولم يتفطن، ولم يحاسب، ولم يذكر، ولم يعلم.

فعلى ولي الأمر أن يصطحب أبناءه إلى ما يحب الله تعالى ويرضاه، وأن يجعل الإجازة بابًا للخير، لا بابًا للضياع، وأن يغتنم هو وأهله هذه الأيام قبل أن تمضي ولا تعود.