يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
من نعمةِ اللهِ تبارك وتعالى علينا -ونِعَمُهُ سبحانه وتعالى علينا تُعدُّ ولا تُحصى- أن جعل هناك إجازةً واستراحةً بعد عامٍ من العملِ أو عام من الدِّراسةِ وبذلِ الجهدِ والتَّعبِ والسَّهرِ، فهذه الإجازةُ فيها نفعٌ عظيمٌ لمن استغلَّها بما ينفعه، ومن حكمةِ اللهِ عز وجل أن يأخذَ الإنسانُ بنصيبِه من الدُّنيا فيستريحَ بعد التَّعبِ والعناءِ، كما قال الله عز وجل: ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا )القصص/77، وقال النبيُّ ﷺ: “إنَّ لنَفْسِكَ عليكَ حقًّا، ولِرَبِّكَ عليكَ حقًّا، ولِضَيْفِكَ عليكَ حقًّا، وإنَّ لِأهلِكَ عليكَ حقًّا؛ فأَعْطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ”رواه البخاري.
لا ننسى أنَّ هذه الإجازةَ هي من أعمارِنا التي تجري، فالسَّعيدُ من كان عبدًا للهِ عز وجل في كلِّ وقتٍ وحينٍ، وشرفُ المسلمِ أن يكون عبدًا للهِ في كلِّ حالٍ وزمانٍ ومكانٍ، هذا سرُّ عزِّه وسعادته وفلاحه، فهو لا يبتعدُ عن اللهِ سبحانه وتعالى ولو كان في وقتِ راحته أو في وقت إجازته، بل يستعملُها في طاعةِ اللهِ عز وجل.
الصحة والفراغ نعمتان عظيمتان؟
الصَّحَّةُ والفراغُ نعمتان عظيمتان كما قال النبيُّ ﷺ: “نعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ منَ النَّاسِ الصِّحَّةُ والفراغُ”رواه البخاري.
والمغبونُ هو الذي يبيعُ السِّلعةَ النَّفيسةَ بسعرٍ رخيصٍ، يبيعُ جوهرةً ثمينةً بسعرٍ رخيصٍ، فالنبيُّ ﷺ يُبيِّن أنَّ هذه الصَّحَّةَ وهذا العمرَ جواهرُ عظيمةٌ لا تُقدَّرُ بثمنٍ، إيَّاك إيَّاك أن تُنفقها فيما لا ينفعُك! لا تُمضِ السَّاعاتِ الطِّوالَ بغيرِ ذكرِ اللهِ، ولا تُنفقِ الأيَّامَ المتواصلةَ في غيرِ ما ينفعُك؛ لأنَّ هذه الأعمارَ أنت مسؤولٌ عنها.
وقال رسولُ الله ﷺ: “لا تَزولُ قَدَمَا عَبْدٍ يومَ القيامةِ، حتَّى يُسأَلَ عن عُمُرِه؛ فيمَ أفناه؟ وعن عِلْمِه؛ فيم فعَلَ فيه؟ وعن مالِه؛ من أين اكتسَبَه؟ وفيم أنفَقَه؟ وعن جِسمِه؛ فيمَ أبلاه”رواه الترمذي.
نلاحظ أنَّ النبيَّ ﷺ خَصَّ الشَّبابَ بالذِّكرِ، لأنَّ الشَّبابَ هو وقتُ القوَّةِ، وإذا لم يتعبِ الإنسانُ في شبابه ويُحصِّل ما ينفعه لبقيَّةِ عمرِه، فمتى يتعب؟ هل يتعب إذا بلغ الشَّيخوخة؟!
فالشَّبابُ هو وقتُ بناءِ الذَّاتِ -إن صحَّ التَّعبيرُ- وقتُ العملِ والجدِّ والاجتهادِ، وهو أعظمُ ما يكون فيه الإنسانُ من الإقبالِ والهمَّةِ والنَّشاطِ، فلا يترك هذا الزمنَ من عمرِه يذهبُ جفاءً وسدًى بدون فائدةٍ.
واجب أولياء الأمور تجاه أبنائهم؟
المسلمُ يحرصُ على ما ينفعه دينًا ودُنياً، وعلى أولياءِ الأمورِ واجباتٌ عظيمةٌ في هذا الشَّأنِ:
1- إلحاقُ الأبناءِ بالدَّوراتِ النَّافعةِ: كالدَّوراتِ العلميَّةِ ومراكزِ تحفيظِ كتابِ اللهِ عز وجل، فالقرآنُ هو شرفُ المؤمنِ، والرسولُ ﷺ يقول: “خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ”رواه البخاري وأبو داود والترمذي.
واحرص على تحفيظِ ولدِك القرآنَ فلك بذلك أجرٌ عند اللهِ عز وجل، وتُلبَسُ به تاجَ الوقارِ في الجنَّةِ كما جاء في الحديثِ.
2- تنميةُ المهاراتِ والأخذُ بالهواياتِ: بإلحاقُ الأبناء بكلِّ دورةٍ نافعةٍ، تُعطيه مهارةً وتُعلِّمه ما لم يكن يعلم، والاهتمامُ بالهوايةِ النَّافعةِ التي يرغبُها الأبناءُ وإعانتُهم عليها وتوفيرُها لهم لشغلِ أوقاتِهم بما ينفعُهم.
3 – مراقبةُ الأبناءِ والتحذيرُ من السَّهرِ: مراقبتهم إلى أين يخرجون؟ ومن يصاحبون؟ وهل يسهرون اللَّيلَ كلَّه؟ فالسَّهرُ طولَ اللَّيلِ مرضٌ غزا المجتمعاتِ وضَيَّعَ الناسَ، حيث قلَبوا حياتَهم وجعلوا النَّهارَ سباتًا، واللهُ جعل اللَّيلَ سكنًا ولباسًا، فلا تُغيِّر خَلْقَ اللهِ! ومهما نام الإنسانُ من النَّهارِ يظلُّ متعبًا ومريضًا، وهناك أمراضٌ كثيرةٌ تحصل بسببِ السَّهرِ، ولو لم يكن من ورائه إلا تضييعُ صلاةِ الفجرِ أو الظُّهرِ أو العصرِ، وقد قال ﷺ: “مَن تَرَكَ صَلاةَ العَصرِ فقد حَبِطَ عَمَلُه”رواه البخاري.
4 – اختيارُ الرُّفقةِ الصَّالحةِ: تنبيهٌ مهمٌّ جدًّا، انتبه لمن يُصاحبون ويُرافقون، فلا بدَّ أن تكون على علمٍ بذلك؛ لأنَّ الحياة اليومِ فيها فِرَقٌ منحرفةٌ يجرُّون أولادَ المسلمين إلى البلاءِ العظيمِ كالمخدِّراتِ وأهلِها، فاختر لهم من يُقرِّبُهم إلى اللهِ ويُحبِّبُهم بدينِ اللهِ.
السفر في الإجازة الصيفية؟
اعتاد كثيرٌ من المسلمين على السَّفرِ في الإجازةِ الصَّيفيَّةِ، والسَّفرُ منه ما هو واجبٌ كصلةِ رحِمٍ أو أداءِ عمرةٍ واجبةٍ، وهذا أمرٌ مطلوبٌ شرعًا، قال النبيُّ ﷺ: “أيُّها الناسُ أفشوا السلامَ وأطعِموا الطعامَ وصِلُوا الأرحامَ وصَلُّوا بالليلِ والناسُ نيامٌ تدخلوا الجنةَ بسلامٍ”رواه الترمذي وابن ماجه.
وكذلك زيارةُ الحرمين الشَّريفين، فالرسولُ ﷺ يقول: “صلاةٌ في مسجدِي هذا خيرٌ من ألفِ صلاةٍ في ما سواه إلا المسجدَ الحرامَ، وصلاةٌ في المسجدِ الحرامِ أفضلُ من مائةِ صلاةٍ في مسجدِي هذا”رواه البخاري ومسلم.
فيستغلُّ الإنسانُ الإجازةَ بربطِ الأبناءِ بالحرمين الشَّريفين والصَّلاةِ فيهما، والالتحاقِ بالحلقاتِ العلميَّةِ والدُّروسِ الشَّرعيَّةِ والدَّوراتِ المقامةِ هناك وفي غيرِها، فهذا ممَّا تُصرَفُ فيه الأعمارُ.
ولا ما نع معها من أن أنظر إلى الهواية التي يرغب بها إبني وتكون نافعة له، أعينه عليها واوفرها له، أشغل وقته بما ينفعه، وأراقبه وأكون معه.