يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
من توفيق الله سبحانه وتعالى للعبد سرعة استجابته لربه ولرسوله ﷺ، باتباع أوامره وترك نواهيه وزواجره، والانقياد له في الظاهر والباطن، هذا من توفيق الله، فمن توفيق الله للعبد أن يكون مستجيبا لله، وهذا دليل حياة القلب، جعله الله سبحانه وتعالى دليلا على حياة الإنسان، أما الذي لا يستجيب فهو ميت، قال سبحانه وتعالى: ( إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ )الأنعام36.
ما العلاقة بين الاستجابة لله وحياة القلب؟
الذين يسمعون الحق ما أكثرهم، ما أكثر الذين يسمعون أن الله أمر بكذا ونهى عن كذا ولا يستجيبون، هؤلاء أشبه بالموتى، لأن مجرد سماع الصوت يستوي فيه حتى الجمادات، فالاستجابة دليل الحياة، دليل على أن قلب الإنسان حي إذا استجاب لربه سبحانه وتعالى وانقاد لأوامره.
ولهذا المهتدي قبل أن يهتدي كان ميتا، قال عز وجل: ( أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا )الأنعام122، فالمهتدي أحياه الله عز وجل وجعل له نوراً يهتدي به، بعد أن كان يتخبط في الظلمات، لا يهتدي، ولا يعرف طريق الخير، ولا يعرف طريق الحق.
الحياة الحقيقية إنما هي بالاستجابة لله وللرسول، الحياة التي يجد فيها الإنسان طعم الراحة والطمأنينة والسكينة هي الحياة التي فيها استجابة لله وللرسول، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ )الأنفال24، الله عز وجل أنزل الله على المسلم شرعه، وأمره ونهاه لحيا حياة طيبة، فعليه أن يعمل بما أمره الله، لا يتردد ولا يعترض، بل يستجب لله عز وجل فيجد طعم الحياة، لأن من لم يستجيب فهو كالأموات.
يقول الله سبحانه وتعالى: ( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ )الأعراف179، فالذي لا ينتفع بسمعه، يسمع أمر الله ويخالفه، ويبصر الحق ويعرض عنه، هذا كالأموات، بل هو أضل من الأنعام، لأن الله ما جعل للأنعام عقولا، صحيح أن لها سمع ولها بصر، لكن ليس لها قلوب تهتدي بها وتعرف الحق من الباطل، فمن عطل قلبه للحق وللإستجابة للرب،فإنه أضل من الأنعام التي لا عقل لها ولا فهم ولا استجابة، مجرد تسمع الصوت.
ما مثل الكفار الذين لا يستجيبون لله؟
ضرب الله عز وجل للكافرين والمعاندين مثلاً فقال: ( مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً )البقرة171، معنى هذا المثل أن ربنا عز وجل يشبه الكفار والمعاندين بالأغنام التي يناديها الراعي، تسمع الصوت ولكن لا تفقه ما يقول، ربما تستجيب بالصياح لا تفعل افعل، ولكن لا عقل لها.
هذا المثل ضربه الله عز وجل للمعاندين لربهم الذين لا يستجيبون، وتارة هؤلاء الذين لا يستجيبون يأتون بعلل وأعذار غير مقبولة،يأتون بعذر قبيح، بعذر ليس له نفع ولا فائدة، ويكونون حريصين على مصالحهم الدنيوية لا يبالون بقول أحد، ولكن إذا قيل لأحدهم: لماذا لا تستجيب لله؟ أتى بالأعذار الواهية الضعيفة، والله سبحانه وتعالى علام الغيوب لا يُخادَع جل جلاله وتقدست أسماءه.
الراشد هو المستجيب لله عز وجل، أما غير ذلك فهو غير راشد يقول الله تعالى: (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ )البقرة186، الرشد في الاستجابة لله لا في غير ذلك، وإن زين لك من زين معصية الله، البعض يقول أن العقل ما نحكم حكم الله عز وجل، تحكيم الشريعة تجلب لنا المشاكل، الله عز وجل يقول ( فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) الرشد كله، والفلاح كله والنجاح، إنما هو في طاعة الله عز وجل، وطاعة رسوله ﷺ لا في غير ذلك.
ما سبب عدم الاستجابة لله وما عاقبة اتباع الهوى؟
اتباع الأهواء هو سبب عدم الاستجابة، قال تعالى لنبيه داود عليه السلام: ( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ )ص26.
ويقول الله تعالى لنبيه ﷺ: ( فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ )القصص50، لا يوجد أضل من الإنسان الذي يأتيه أمر الله فيقدم عليه هواه، الهوى ما تشتهيه الأنفس وما تهواه، يقدمه على طاعة الله وطاعة رسول الله ﷺ، وذلك هو الخسران المبين.
إن الله سبحانه وتعالى يذكر من الذي لا يستجيب له من الكفار والمنافقين، هم الذين لا يستجيبون لله عز وجل وللرسول ﷺ، أما الكفار فيظهرون ذلك علانية معاندة، وأما المنافقون فإنهم يعتذرون بالأعذار الواهية، في عدم الاستجابة لله، ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا )النساء61، هذا وصف الله عز وجل.
احذر يا عبد الله، احذر من عدم الاستجابة، تسمع الآية تسمع الحديث ولا تستجيب، ما هذا حال المؤمنين أبدًا،قال الله تعالى: ( إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا )النور51، هذا هو حال المؤمن.
وقال الله تعالى: ( فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ )البقرة186، فالرشد كله والفلاح والنجاح إنما هو في طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ لا في غير ذلك.
مواقف الصحابة في الاستجابة لله ولرسوله؟
قال الله تعالى: ( إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا )النور51، هذا هو حال المؤمن.
كان الصحابة رضي الله عنهم نموذجاً في سرعة الاستجابة لله جل جلاله ولرسوله ﷺ ومن ذلك:
–الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، لما نزلت آية تحويل القبلة: قال الله تعالى: ( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ )البقرة144، دخل صحابي إلى مسجد في المدينة يُسمى إلى اليوم مسجد القبلتين، والناس يصلون نحو الشام، فقال لهم وهم يصلون: أشهد أني صليت مع رسول الله ﷺ تجاه الكعبة، فاستداروا في صلاتهم نحو الكعبة وهم يصلون، استجابة فورية بلا تأخير.
–آية الحجاب: قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في الصحيحين: لما نزل قول الله عز وجل: ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ )النور31، رحم الله نساء الأنصار، ابتدرن أُزُرهن فشققنها من قِبَل الحواشي فاختمرن بها، ما انتظرت إحداهن أن تذهب إلى السوق لتشتري خماراً، بل أخذت ثوبها وشقته واختمرت به، طاعة واستجابة لأمر الله عز وجل بلا تأخير.
–وننظر إلى أحوال المسلمين اليوم، كيف يسمع أحدهم أمر الله مرة بعد مرة، وهو مصر على معصية الله، يعلم أن ما يفعله محرم، ومع ذلك يصر على معصية الله، فأين الإيمان؟ وأين حياة القلب؟ أين السمع والبصر الذي يتمع به؟ اتقِ الله يا عبد الله واستجيب لله تعالى ولرسوله ﷺ.