جاء في كتاب “ما هو الإسلام ؟” للشيخ محمد الغزالي – رحمه الله – ما يلي :ـ

الإسلام هو جوهر العلاقة بين الله والناس كما صورتها كل الديانات ، وكما بلغها رسل الله أجمعون ..

أولئك الرسل الذين ظهروا في أعصار سابقة ، وآمنت بهم أجناس شتى فلا خلاف أبداً بين ما قاله الله لموسى أو لعيسى أو لمحمد …

ولا خلاف أبداً بين ما عرّفه هؤلاء لأتباعهم ، وبين ما عرّفه الأنبياء الآخرون الذين حفظنا أسماء بعضهم ، وجهلنا أسماء بعضهم الآخر ..

الدين واحد في أركانه وأهدافه عند هؤلاء جميعاً ..

وهذه الوحدة الدينية الشاملة أكدها القرآن الكريم في مواضع عديدة ، وبنى عليها أن الأنبياء إخوة في عمل مشترك ، وأنه لا يجوز التفرق في اتباعهم ، ولا التفريق بين واحد وآخر منهم.

-قال تعالى: ( شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ …)الشورى/13.

-وقال تعالى: ( قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ )آل عمران/84.

وعماد هذه الوحدة الشائعة على اختلاف الأزمنة والأمكنة هي الفطرة.

أجل .. إن الفطرة السليمة هي دين الله.

والفطرة ليست شيئاً جديداً في الإنسان ، إنها قلب سليم ، وفكر سليم .. وحسب. وصلاحية المرء للحياة الحاضرة أو للحياة الأبدية لا تتم إلا بهذه السلامة.

وربما وجدت ناساً ينتسبون إلى الدين ، وتظهر عليهم مراسمه وشاراته ، لكن أفئدتهم معتلة ، وأفكارهم مختلة ، فثق أن هؤلاء بعيدون عن الدين بمقدار ما في أفئدتهم وأفكارهم من علل وخلل.

-فالبيت لا يقال عنه: إنه سليم ، إذا كان طلاؤه حسناً وجدرانه منهارة!!

-والمرء لا يوصف بالتدين إذا كانت طبيعته القلبية والعقلية قد أفسدتها الأهواء والخرافات.

التدين الحقيقي أساسه الأول صحة هذه الأجهزة المعنوية وبراءتها من كل تشويه وافتعال قال تعالى: ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ )الروم/30.

والتعاليم التي جاء بها الإسلام تستهدف حماية الفطرة من الجراثيم الغريبة التي لا تفتأ تهاجمها ، كما يتناول الإنسان الأغذية والأدوية لا لتَصنع له جسماً جديداً أو لتحوله مخلوقاً آخر ، بل ليظل كيانه الأصيل باقياً نامياً ، كما ذرأه ، ولذلك أَتْبع الله جل شأنه آية الفطرة السابقة بجملة من الوسائل التي تصونها وتحفظها قال تعالى:( مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ )الروم/31-32.

إن التعاليم الدينية بالنسبة إلى الفطرة ، كعلوم الكون والحياة بالنسبة إلى العقل ، فكما أن الفكر الإنساني تتسع آفاقه ، وتصدق أحكامه بهذه العلوم ، فكذلك الفطرة تصفو وتتألق ، وتعرف طريق الرشد ، بتعاليم الدين.

ولذلك لا بد من القيام بالتكاليف التي شرعها الله لضمان هذه السلامة الإنسانية المنشودة.

قال تعالى: ( وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ )لقمان/22.

وقال: ( وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا )النساء/125.

أرأيت؟؟ ..

إن القرآن الكريم يرد أصل الفطرة في التدين إلى النبوات الأولى.

ولذلك قلنا: إن الإسلام عنوان جديد لحقيقة قديمة.

-إن محمداً ﷺ جاء بانياً لا هادماً ..

-جاء مؤكداً أو مصدقاً لمن قبله ، لا حرباً عليهم ولا خصماً لهم …

-ودينه الإسلام هو الطبيعة البشرية التي يجب أن تتسامى بها ، وأن تلتقي عليها .