عن وابصة بن معبد رضي اللّه عنه قال: “أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ فقال : جئتَ تسألُ عن البرِّ والإثمِ ؟ قال : نعم ، فقال : استفتِ قلبكَ : البرُّ ما اطمأنتْ إليهِ النفسُ ، واطمأنَ إليهِ القلبُ ، والإثمُ ما حاكَ في النفسِ وترددَ في الصدرِ ، وإن أفتاكَ الناسُ وأفتوكَ”أحمد والطبراني.
قال النووي في رياض الصالحين: حديث حسن رويناه في مسندَيْ أحمد والدارمي وغيرهما.
صحة حديث استفت قلبك؟
فهذا الكلام صدر عن مشكاة النبوة من رواية الصحابي الجليل وابصة بن معبد الأسدي رضي الله عنه، وليس من كلام الإمام علي رضي الله عنه.
-ولايفهم من هذا الحديث أن يترك المرء قول العلماء، ومايفتون به من حلال وحرام، وما وافقوا به أوامرالشرع الحكيم؛ اعتماداً على قلبه.
هل يجوز تقديم العقل على النقل؟
–هاجم الحافظ ابن حجر في فتح البارى من يرفض أوامر الشرع اعتمادا على قلبه ، فقال:
ذهب قوم من الزنادقة إلى سلوك طريقة تستلزم هدم أحكام الشريعة فقالوا : إنه يستفاد من قصة موسى والخضر أن الأحكام الشرعية العامة تختص بالعامة والأغبياء، وأما الأولياء والخواص فلا حاجة بهم إلى تلك النصوص، بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم، ويحكم عليهم بما يغلب على خواطرهم، لصفاء قلوبهم عن الأكدار وخلوها عن الأغيار، فتنجلي لهم العلوم الإلهية والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات ويعلمون الأحكام الجزئيات فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، كما اتفق للخضر، فإنه استغنى بما ينجلي له من تلك العلوم عما كان عند موسى، ويؤيده الحديث المشهور: “استفت قلبك وإن أفتوك.
–قال القرطبي : وهذا القول -يعني أخذ الأحكام من القلب دون اعتبار لماجاء به الأنبياء والعلماء- زندقة وكفر; لأنه إنكار لما علم من الشرائع، فإن الله قد أجرى سنته وأنفذ كلمته بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه المبينين لشرائعه وأحكامه، كما قال الله تعالى : ( اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ )الحج/75، وقال تعالى : ( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ )الأنعام/124، وأمر بطاعتهم في كل ما جاءوا به، وحث على طاعتهم والتمسك بما أمروا به فإن فيه الهدى .
وقد حصل العلم اليقين وإجماع السلف على ذلك، فمن ادعى أن هناك طريقا أخرى يعرف بها أمره ونهيه، غير الطرق التي جاءت بها الرسل، يستغني بها عن الرسول، فهو كافر يقتل ولا يستتاب . قال : وهي دعوى تستلزم إثبات نبوة بعد نبينا ; لأن من قال إنه يأخذ عن قلبه ؛ لأن الذي يقع فيه هو حكم الله وأنه يعمل بمقتضاه من غير حاجة منه إلى كتاب ولا سنة فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة كما قال نبينا ﷺ : “إنَّ رُوحَ القُدُسِ نفثَ في رُوعِي” . قال : وقد بلغنا عن بعضهم أنه قال : أنا لا آخذ عن الموتى، وإنما آخذ عن الحي الذي لا يموت.
وكذا قال آخر : أنا آخذ عن قلبي عن ربي، وكل ذلك كفر باتفاق أهل الشرائع.
انتهى مختصرا من فتح الباري لابن حجر العسقلاني