جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم  عن أبي هريرة، قال:سَمِعتُ رَسولَ اللهِ يقولُ: “ما مِن بَني آدَمَ مَولودٌ إلَّا يَمَسُّه الشَّيطانُ حينَ يولَدُ، فيَستَهِلُّ صارِخًا مِن مَسِّ الشَّيطانِ، غيرَ مَريَمَ وابنِها”. ثُمَّ يقولُ أبو هُرَيرةَ: آل عمران: 36.

ومعنى الحديث أن الشيطان مسلط على بني آدم، يوسوس لهم ويغويهم، وأول مظاهر تسلطه على الإنسان هو ذاك المشهد الذي يذهب فيه الشيطان لينال منه ساعة مولده فيطعنه فيصيح، إلا أن الله حفظ مريم وابنها منه ببركة دعوة أمها حيث قالت : {وإنِّي أُعيذُها بكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ} ولم يكن لمريم ذرية غير عيسى.

ولا شك أن رواية المسلمين لهذه الرواية دون غضاضة، لمما يثبت عدالة المسلمين ونزاهتهم وصدقهم في تبليغ ما وصلهم من الله ورسوله، فهو مما يذكر للمسلمين لا عليهم.

وهذه الفضيلة لسيدنا عيسى لا تعني أنه أفضل من سيدنا محمد-

حكم التفضيل بين الأنبياء عليهم السلام؟

يقول الدكتور هشام بن إسماعيل الصيني-عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى-:
 اختصاص أي نبي بفضيلة دون غيره، لا يعني أنه أفضل من بقية الأنبياء، فقد خص الله -سبحانه وتعالى- بعض الأنبياء ببعض الفضائل، فخصَّ موسى -عليه السلام- بأن كلمه بدون واسطة ملك وموسى في الأرض، وخصّ سليمان -عليه السلام- بجنوده من الجن والطير، وأتاه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وغير ذلك من الخصائص المذكورة للأنبياء، ومن ذلك ما خصّ الله به مريم بنت عمران وعيسى عليه السلام من سلامتهما من مسَّ الشيطان لهما عند الولادة.

وتفرّد الشخص بفضيلة دون غيره لا يعني أنه أفضل من الجميع، وإلا لزم أن يكون موسى أفضل الأنبياء بما خصّه الله، وأن يكون سليمان أفضل الأنبياء بما خصّه الله، وهذا تناقض غير مقبول، ولذلك الصواب أن الإنسان تتبيّن منزلته بمجموع فضائله لا بفضيلة واحدة.

وهذا حتى في حق عامة الناس، أرأيت لو أن شخصاً في قرية لا يكذب أبداً ولا يُعرف عنه إلا الصدق، وما من أحد في القرية إلا قد وقع منه كذب، لكن هذا الشخص الذي لم يكذب قط، يظلم، ويسرق، ويقتل، وأهل القرية لا يفعلون ذلك أفتكون هذه الفضيلة كافية لجعله خير أهل القرية؟ أم لابد من النظر في مجموع ما للإنسان من فضائل وحسنات؟ انتهى.

حظ الشيطان من النبي ؟

ثبت في السنة الصحيحة أن الله عز وجل قد استخرج من قلب نبينا حظ الشيطان ؛ فقد روى مسلم عن أنس : أنَّ رسولَ اللهِ أتاه جبريل عليه السلام وهو يلعب مع الغلامان فأخذه، فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة ، فقال : هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه ، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه – يعني : ظئره – فقالوا : إن محمدا قد قتل. فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس : وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره”.

وإذا كان لكل إنسان شيطان نبيا كان أو وليا فقد ثبت أن الله أعان نبينا محمدا على شيطانه حتى أسلم،فقد روى مسلم : “أنَّ رَسولَ اللهِ خَرَجَ مِن عِندِها لَيلًا، قالت: فغِرتُ عليه، فجاءَ فرَأى ما أصنَعُ، فقال: ما لَكِ يا عائِشةُ؟ أغِرتِ؟ فقُلتُ: وما لي لا يَغارُ مِثلي على مِثلِكَ؟ فقال رَسولُ اللهِ : أقد جاءَكِ شيطانُكِ؟ قالت: يا رَسولَ اللهِ، أو مَعيَ شيطانٌ؟ قال: نَعَم. قُلتُ: ومع كُلِّ إنسانٍ؟ قال: نَعَم، قُلتُ: ومعكَ يا رَسولَ اللهِ؟ قال: نَعَم، ولَكِن رَبِّي أعانَني عليه حتَّى أسلَمَ”.

وجاء الحديث بالروايتين ( بفتح ميم أسلم وبضمها) قال النووي :

وهما روايتان مشهورتان، فمن رفع قال معناه :أسلم أنا من شره وفتنتة، ومن فتح قال: إن القرين أسلم من الإسلام وصار مؤمنا لا يأمرني إلا بخير، واختلفوا في الأرجح منهما ، فقال الخطابي: الصحيح المختار الرفع .

ورجح القاضي عياض الفتح ،وهو المختار لقوله فلا يأمرني إلا بخير ،واختلفوا على رواية الفتح ،قيل :أسلم بمعنى استسلم وانقاد ،وقد جاء هكذا في غير صحيح مسلم (فاستسلم)، وقيل: معناه صار مسلما مؤمنا وهذا هو الظاهر، قال القاضي: واعلم أن الأمة مجتمعة على عصمة النبي من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه.