الحديث أخرجه مسلم في صحيحه عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ: “لا يَدخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلبِه مِثقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبرٍ، قال رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أن يَكونَ ثَوبُه حَسَنًا ونَعلُه حَسَنةً، قال: إنَّ اللهَ جَميلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، الكِبرُ بَطَرُ الحَقِّ، وغَمطُ النَّاسِ”.
قال ابن القيم رحمه الله شارحا ومبيّنا : وقوله في الحديث إن الله جميل يحب الجمال يتناول جمال الثياب المسؤول عنه في نفس الحديث، ويدخل فيه بطريق العموم الجمال من كل شيء .
-وفي صحيح مسلم قال رسول الله ﷺ: “إنَّ اللهَ طَيِّبٌ لا يَقبَلُ إلَّا طَيِّبًا”.
-وفي سنن الترمذي قال رسول الله ﷺ: “إنَّ اللَّهَ يُحبَّ أن يَرى أثرَ نعمتِه علَى عبدِه”وقال حسن صحيح.
– وعند احمد والطبراني عَن أبي الأحوَصِ الجُشَميِّ -رضيَ اللهُ عنهُ- عن أبيهِ، قالَ: رآني النَّبيُّ ﷺ وعليَّ أطمارٌ، فقالَ: هل لَكَ من مالٍ؟! قلتُ: نعَم، قالَ: مِن أيِّ المالِ؟ قلتُ: مِن كلٍّ قد آتانيَ اللهُ، منَ الشَّاءِ والإبلِ، قالَ: إذا آتاكَ اللهُ مالًا فليُرَ أثرُ نعمةِ اللهِ وَكرامَتِه عليكَ”.
فهو سبحانه وتعالى يحب ظهور أثر نعمته على عبده، فإنه من الجمال الذي يحبه، وذلك من شكره على نعمه وهو جمال باطن ، فيحب أن يرى على عبده الجمال الظاهر بالنعمة، والجمال الباطن بالشكر عليها ، ولمحبته سبحانه للجمال أنزل على عباده لباسا وزينة تجمل ظواهرهم، وتقوى تجمل بواطنهم.
-فقال تعالى: ( يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ )الأعراف/26.
-وقال تعالى في أهل الجنة : ( وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا )الإنسان/11، فجمل وجوههم بالنضرة، وبواطنهم بالسرور، وأبدانهم بالحرير، وهو سبحانه كما يحب الجمال في الأقوال والأفعال واللباس والهيأة، يبغض القبيح من الأقوال والأفعال والثياب والهيأة فيبغض القبيح وأهله ويحب الجمال وأهله.
ولكن ضلّ في هذا الموضوع فريقان :
1- فريق قالوا كل ما خلقه جميل فهو يحبّ كل ما خلقه ونحن نحب جميع ما خلقه فلا نبغض منه شيئا ، قالوا : ومن رأى الكائنات منه رآها كلها جميلة .. وهؤلاء قد عدمت الغيرة لله من قلوبهم والبغض في الله والمعاداة فيه وإنكار المنكر والجهاد في سبيله وإقامة حدوده ويرى جمال الصور من الذكور والإناث من الجمال الذي يحبه الله فيتعبدون بفسقهم وربما غلا بعضهم حتى يزعم أن معبوده يظهر في تلك الصورة ويحل فيها .
2 – وقابلهم الفريق الثاني فقالوا قد ذم الله سبحانه جمال الصور وتمام القامة والخلقة فقال تعالى عن المنافقين : ( إِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ )المنافقون/4، وقال تعالى : ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا )مريم/74 أي أموالا ومناظر ، وفي صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال : “إِنَّ اللهَ تعالى لَا ينظرُ إلى صُوَرِكُمْ وَأمْوالِكُمْ ، ولكنْ إِنَّما ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم”وابن ماجة وأحمد.
وفي الحديث : “إنَّ البذاذةَ منَ الإيمانِ”يعني التَّقحُّلَ أبو داود وابن ماجه وأحمد.
وفصل النزاع أن يقال الجمال في الصورة واللباس والهيأة ثلاثة أنواع:
-منه ما يحمد.
-ومنه ما يذم.
-ومنه مالا يتعلق به مدح ولا ذم.
فالمحمود منه: ما كان لله وأعان على طاعة الله وتنفيذ أوامره والاستجابة له، كما كان النبي ﷺ يتجمل للوفود، وهو نظير لباس آلة الحرب للقتال ولباس الحرير في الحرب والخيلاء فيه، فإن ذلك محمود إذا تضمن إعلاء كلمة الله ونصر دينه وغيظ عدوه.
والمذموم منه: ما كان للدنيا والرياسة والفخر والخيلاء والتوسل إلى الشهوات، وأن يكون هو غاية العبد وأقصى مطلبه، فإن كثيرا من النفوس ليس لها همة في سوى ذلك.
وأما مالا يحمد ولا يذم: هو ما خلا عن هذين القصدين وتجرد عن الوصفين.
والمقصود أن هذا الحديث الشريف مشتمل على أصلين عظيمين: فأوله معرفة وآخره سلوك.
فيُعرف الله سبحانه بالجمال الذي لا يماثله فيه شيء، ويعبد بالجمال الذي يحبه من الأقوال والأعمال والأخلاق.
فيحب من عبده أن يجمل لسانه بالصدق، وقلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة والتوكل، وجوارحه بالطاعة، وبدنه بإظهار نعمه عليه في لباسه وتطهيره له من الأنجاس والأحداث والأوساخ والشعور المكروهة والختان وتقليم الأظفار، فيعرفه بصفات بالجمال ويتعرف إليه بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة، فيعرفه بالجمال الذي هو وصفه، ويعبده بالجمال الذي هو شرعه ودينه، فجمع الحديث قاعدتين المعرفة والسلوك .