أحوال الآخرة تعرف بالسمع ، وكل ما صح بالتواتر وجب الإيمان به قطعًا ، فإن كان ما ورد غير متواتر مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة فلا يكفر منكره ، ومن ثبت عنده الحديث وجب عليه الإيمان بمضمونه ، وله أن يأوله إذا كان ظاهره غير مقبول حتى ينطبق على وجه معقول .

يقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا-رحمه الله-:

إنما ذكر الغزالي ما ذكره في أصول الاعتقاد على الوجه الذي عليه الأشاعرة وأشار إلى الرد على مخالفيهم من المعتزلة وبعض أهل السنة الذين أولوا ما ورد في بعض ذلك .

والغزالي لا يقول بكفر أولئك المخالفين للأشاعرة بل صرح في مواضع من كتبه ( لا سيما كتاب إلجام العوام عن علم الكلام ) بأن المؤمن إذا عاش ومات ولم يعلم بتلك المسائل التي اختلف فيها المتكلمون من الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم لا يخل ذلك بإيمانه .

ومن تلك المسائل الخلاف في صفات الله تعالى ، هل هي عين الذات أو غير الذات ؟ والخلاف المعروف في كلام الله تعالى إلخ .. فكيف يكفر أهل القبلة بعدم الإيمان بالمسائل التي ليست من أصول الدين وعقائده ، كالتفاضل بين الصحابة .

-فقوله أنه لا يتقبل إيمان أحد حتى يؤمن بما أخبر به ( النبي ) بعد الموت صحيح ، فإن أركان الإيمان ثلاثة : الإيمان بالله وصفاته ، والإيمان بالنبوة ، والإيمان بالآخرة .

-وأحوال الآخرة تعرف بالسمع ، فكل ما صح بالتواتر وجب الإيمان به قطعًا ، وكان إنكاره كفرًا بشرطه ، ويؤخذ على ظاهره المفهوم من أسلوب اللغة إذا لم يكن مُحالاً عقليًّا ، فإن كان ظاهره مُحالاً ، فاعتقاد المُحال غير مكلف به في الإسلام ، فلك أن تأول ، ولك أن تفوّض .

-وإن كان ما ورد غير متواتر مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة فلا يكفر منكره ، ومن ثبت عنده الحديث وجب عليه الإيمان بمضمونه ، وله أن يأوله إذا كان ظاهره غير مقبول حتى ينطبق على وجه معقول.

وأما ما فَصَّله الغزالي بعد تلك الكلمة الصحيحة في إجمالها فلا يريد به أن هذا التفصيل شرط في تقبل الإيمان ، وإنما يريد أن هذا هو الراجح عند أهل مذهبه .

ولذلك أشار إلى توجيهه والرد على مخالفيه في ركن السمعيات في الفصل الثالث لوامع الأدلة ، ولم يذكر هناك الحوض ، وفيه أحاديث صحيحة ، وأما وصف الصراط بما ذكر فقد رواه مسلم عن أبي سعيد موقوفًا عليه فإنه قال : بلغني ( لم يرفعه ) إلى النبي صلى الله وعليه وسلم ولكن رفعه أحمد من حديث عائشة والبيهقي في الشُّعَب والبَعْث من حديث أنس وضعَّفه ، والمأولون يقولون : إن الصراط هو صراط الدين أي طريقه ، ورد عليهم بقوله تعالى : [ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الجَحِيمِ ] ( الصافات : 23 ) ولكن الآية لا تدل على أن المراد بالصراط ما كان بذلك الوصف .

وأما الميزان فلم يرد في وصفه بما وصفوه به من الكفتين واللسان والصنج أحاديث صحيحة .

وفي القرآن الكريم ذكر الوزن والموازين ، قال بعض المفسرين : إنها جمع موزون ، والأكثرون على أن هناك وزنًا حقيقيًّا ، وذهب بعض إلى أنه تمثيلٌ المراد به العدل قال تعالى : [ وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ]( الأنبياء : 47 ) روى الطبري من طريق أبي نجيح عن مجاهد أنه قال : ( إنما هو مَثل كما يحرر الوزن ، كذلك يحرر الحق ) ومن طريق ليث بن أبي سليم عنه أنه قال : ( الموازين العدل ) ، وقد نقل هذا القول عن غيره من السلف كالضحاك والأعمش .

ولما أخذ المعتزلة بهذا القول عرف بهم ، وصار ينسب من يقول به إلى الاعتزال ، حتى قال أبو داود عن أبي سلمة عثمان بن مقسم البري المُحَدِّث الثقة الصدوق : إنه قدري معتزلي : وما كان معتزليًّا إلا أنه أنكر الميزان ، والمقصود من هذه النقول أنهم لا يقولون بكفر من خالف الجمهور في هذه المسائل ، فتبيَّن بهذا أن ما ذكره الجمهور في وصف أحوال يوم القيامة بالتفاصيل المعروفة ليس شرطًا في صحة الإيمان بحيث يكفر من لا يعتقده ، وما ورد فيها ليس كله قطعي الثبوت والدلالة ، والأسلم في الأمور الغيبية أن لا يبحث الإنسان في كيفيتها ، بل يُسلِّم بما ثبت في النصوص القطعية ، ويفوض الأمر في الكيفيات إلى عالم الغيب والشهادة ولا يعتقد مُحالاً عقليًّا .