يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
إن من أعظم المنازل للعبد، وأعظم النعم عليه، أن يحبه الله عز وجل، خالق السماوات والأرض، الذي أوجده من العدم، فمحبة الله منزلة عظيمة، تنافس فيها المتنافسون.
والله عز وجل من صفاته أنه يحب ويبغض، كما قال سبحانه وتعالى: ( فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ )المائدة:54، فهذه صفة ثابتة لله عز وجل في القرآن والسنة.
وجاء في الحديث عند مسلم أن النبي ﷺ قال: “إذا أحَبَّ اللهُ العَبدَ نادى جِبريلَ: إنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلانًا فأحبِبْه، فيُحِبُّه جِبريلُ، فيُنادي جِبريلُ في أهلِ السَّماءِ: إنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلانًا فأحِبُّوه، فيُحِبُّه أهلُ السَّماءِ، ثُمَّ يوضَعُ له القَبولُ في الأرضِ”البخاري،مسلم.توضع له المحبة في قلوب الخلق.
ما هي أسباب محبة الله لعبده؟
الوصول إلى محبة الله عز وجل، وهذه الدرجة العالية، لها أسباب مذكورة في القرآن والسنة، منها:
أولًا – اتباع الرسول ﷺ:
قال سبحانه وتعالى: ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ )آل عمران:31، فإذا كنت تريد الوصول إلى محبة الله، فعليك باتباع الرسول ﷺ.
واتباع الرسول ﷺ يكون في الأقوال والأفعال، وفي العقيدة والمنهاج، وفي الأخلاق والآداب والسلوك، وفي السنن الظاهرة والباطنة، فمن أراد محبة الله، فعليه اتباع النبي عليه الصلاة والسلام.
ثانيًا – التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض:
انتبه أيها المسلم، التقرب إلى الله يكون بالنوافل بعد الفرائض، وليس أن تضيع الفرائض ثم تتقرب بالنوافل، لا تضيع الصلاة ثم تعطي الفقير صدقة، بل تقرب أولًا بما أوجب الله عليك.
جاء في حديث البخاري أن النبي ﷺ قال فيما يروي عن ربه: “مَن عادى لي وليًّا فقد آذَنتُه بالحَربِ”، فمن عادى وليًا من أولياء الله، أو عادى مؤمنًا صالحًا، عاداه الله رب السماوات ورب الأرض.
-ثم يقول سبحانه وتعالى: “وما تَقَرَّبَ إليَّ عَبدي بشَيءٍ أحَبَّ إليَّ ممَّا افتَرَضتُ عليه”، فأول ما تتقرب به إلى الله الفرائض، الصلاة على وقتها، وتجيب نداء الله إذا قال المؤذن: حي على الصلاة، ولا تؤخر الصلاة المكتوبة، ولا تؤخر الزكاة المفروضة.
-ثم يقول سبحانه: “وما يَزالُ عَبدي يَتَقَرَّبُ إليَّ بالنوافل حتَّى أُحِبَّه”، فتكثر من نوافل الصلاة، ونوافل الصدقة، ونوافل الصيام، ونوافل العمرة، وهكذا تتقرب إلى الله عز وجل بهذه النوافل.
-فإذا أحبك الله، ماذا يحصل؟ يقول الله عز وجل: “فإذا أحبَبتُه كُنتُ سَمعَه الذي يَسمَعُ به، وبَصَرَه الذي يُبصِرُ به، ويَدَه التي يَبطِشُ بها، ورِجلَه التي يَمشي بها، وإن سَألَني لَأُعطيَنَّه، ولَئِنِ استَعاذَني لَأُعيذَنَّه”.
يوفق الله العبد الذي يحبه، فلا يسمع إلا ما يحب الله، ولا يتكلم إلا بما يحب الله، ولا يأخذ ولا يعطي إلا ما يحب الله، ولا يمشي إلا إلى المكان الذي يحبه الله، فهذا هو التوفيق الحقيقي، أن يوفقك الله في كلامك، وفي سمعك، وفي بصرك، وفي عطائك، وفي سعيك، لأنه الله أحبه.
ثالثًا– الحب في الله:
من أسباب محبة الله الحب في الله، أن تجعل محبتك وبغضك مرتبطين بما يحب الله ويرضاه، قال ﷺ في حديث أحمد: “أَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ الحُبُّ في اللهِ ، والبُغْضُ في اللهِ”.
وقال عز وجل في الحديث القدسي: “وجبت محبتي للمتحابِّين فيَّ”، أي الذين يتحابون في الله، ليس بينهم أنساب، ولا أموال، ولا مصالح، ولا معاملات، إنما هو حب في الله.
ويقول اللهُ عزَّ وجلَّ : “وجبت محبتي للمتحابِّين فيَّ والمتجالسين فيَّ والمتزاورين فيَّ والمتباذلين فيَّ”أحمد، فوجبت محبة الله لهؤلاء الصنف من الناس؛ لأن هذا من أوثق عرى الإيمان.
ومحك هذا في الحقيقة وهو امتحان واختبار يختبرك به الله تعالى، فقد يكون شخص قريبًا إلى قلبك، ولكنه ليس حبيبًا لك في الله؛ لأنه عدو لله، فتبغضه في الله ولو كان من أقرب الناس لك نسبًا، وتكره أفعاله وتكره أقواله تقربًا إلى الله سبحانه وتعالى، بل تقرب ذلك الأجنبي عليه لأنه من أحبابك في الله.
قال ﷺ: “أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله”.
رابعًا – قراءة القرآن وذكر الله:
من الأعمال العظيمة التي تقربك إلى الله، وتكون بها من أحباب الله، قراءة القرآن وذكر الله، وقراءة القرآن أعظم الذكر، فاقرأ القرآن بالتدبر والفهم للمعاني والآيات.
وهذا أمر ضروري يغفل عنه كثير من المسلمين اليوم، يقرأ القرآن وتمر به الآيات وهو لا يعرف معناها، فاقرأ القرآن وأنت تفهم.
أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعَثَ رَجُلًا على سَريَّةٍ، وكان يَقرَأُ لأصحابِه في صَلاتِهم فيَختِمُ بقُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ، فلَمَّا رَجَعوا ذَكَروا ذلك للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: “سَلوه لأيِّ شيءٍ يَصنَعُ ذلك؟ فسَألوه، فقال: لأنَّها صِفةُ الرَّحمَنِ، وأنا أُحِبُّ أن أقرَأ بها، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أخبِرُوه أنَّ اللهَ يُحِبُّه”البخاري،مسلم.
ففيها صفة الرحمن: الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فقراءة القرآن بالتدبر، وكثرة ذكر الله عز وجل، مما يقربك إلى الله، وتكون به من أحباب الله عز وجل.
خامسًا – إيثار محبة الله وأمره على ما تحب النفس:
من الأسباب التي تجلب لك محبة الله أن تؤثر الله وأمره على ما تحب، فإذا قيل لك: خذ هذا، افعل هذا، فانظر: هل هذا يحبه الله أو يبغضه؟ فإن كان لا يحبه الله فاتركه لله.
قدّم ما يحب الله، وآثر ما يحب الله على ما تحبه نفسك، وعلى النفع العاجل، وعلى النفع الدنيوي القريب، وقدّم محبة الله عز وجل.
قال ﷺ: “ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وجَدَ حلاوَةَ الإيمانِ: أنْ يكونَ اللهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه مِمَّا سِواهُما….”البخاري،مسلم.
فلا يمكن للمؤمن أن يقدم على محبة الله، ولا على ما يحب الله، شيئًا أبدًا.
من أسباب محبة الله عز وجل مرتبة الإحسان؟
جاء في القرآن أكثر من مرة ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ )، والإحسان يكون في عبادة الخالق، والإحسان في معاملة المخلوق.
الإحسان في عبادة الخالق أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فيكون قلبك حاضرًا في صلاتك، تستحضر أنك بين يدي الله، وأن تراقب الله عز وجل في السر والعلن.
وأما الإحسان إلى المخلوق، فهو أن تكون محسنًا إلى الناس بالقول والعمل، قال ﷺ: “أَحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناسِ”، فكلما كان الإنسان نفاعًا، كثير النفع للناس، كان أقرب إلى محبة الله عز وجل.
والنفع لا يقتصر على المال، بل العلماء والفقهاء والدعاة والخطباء، والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، من أعظم الناس نفعًا للأمة؛ لأنهم يوجهون الناس إلى ما يحب الله ويرضى، وهم الذين ينقذون الناس من النار.
قد تسمع موعظة من خطيب يوم الجمعة، فتتعظ وتترك الحرام، فهذا الرجل أحسن إليك إحسانًا عظيمًا، أنقذك الله بكلمته من النار، والداعية إلى الله ليس لازمًا أن يكون متفرغًا، بل أنت في بيتك داعية إلى الله، تأمر أهلك بالصلاة، وتأمر الخادم بالصلاة، وتدعوه إلى الإسلام إن كان غير مسلم، وهكذا تكون محسنًا نافعًا للخلق.