يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
أولا – اختيار الزوجين على أساس الدين والخلق؟
من مظاهر رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده، وعنايته بهم، وإحسانه إليهم، أن خلق لهم أزواجًا من أنفسهم، يناسبونهم ويشاكلونهم في الشكل والطباع والخُلُق.
قال سبحانه وتعالى: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )الروم/21.
فالزوج يسكن إلى زوجته، تحصل له السكينة، والطمأنينة، والراحة النفسية بالحديث إليها، فتطمئن النفوس، وتحصل المودة، وتدوم العشرة، والرحمة، وهذه من آيات الله سبحانه وتعالى العظيمة.
ولقد عُنِيَ الإسلام بالأسرة عناية عظيمة، تتجلى هذه العناية في مظاهر كثيرة؛ أول ذلك أن الإسلام اهتم بتكوين الأسرة أولًا، قبل أن تتكون هذه
الأسرة ينبغي للمسلم أن يلاحظ حكم الشرع فيها قبل أن يقدم على الزواج، قبل أن يكون الأسرة، هناك توجيهات ربانية نبوية للمؤمنين والمؤمنات.
فالله تبارك وتعالى يقول: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ )التوبة/119، تبحث عن أهل الصدق، تبحث عن أهل الأمانة والديانة والصيانة والستر والعفاف لكي تتزوج منهم أو تزوج إليهم.
الله سبحانه وتعالى جعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض، والرسول ﷺ يقول: “تُنكَحُ المَرأةُ لأربَعٍ: لمالِها، ولحَسَبِها، ولجَمالِها، ولدينِها؛ فاظفَرْ بذاتِ الدِّينِ تَرِبَت يَداكَ”البخاري ومسلم.
على المؤمن أن يهتم بهذا الجانب، جانب الدين والخُلُق والإيمان، لا مانع أن يضم إليه الجمال أو المال أو الحسب أو النسب، لكن لا يقدم على الدين شيئًا، يتزوج لأجل المال، يتزوج لأجل الحسب والنسب، ويهمل جانب الدين والخُلُق، والرسول ﷺ يقول: “تَرِبَت يَداكَ”، هذه إشارة إلى المصيبة التي تصيب الذي يتزوج المرأة لجمالها فقط، أو لمالها فقط، أو لحسبها فقط، فإنه ستصيبه المصائب والعياذ بالله.
وفي الجانب الآخر يقول الرسول ﷺ: “إذا جاءَكُم مَن تَرضَونَ دينَهُ وخُلقَهُ، فأنكِحوهُ، إلَّا تَفعلوهُ تَكُن فِتنةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كبيرٌ”رواه الترمذي.
إذا أتاكم من ترضون دينه وشيمته وأمانته، هذا هو المهم: الدين والخُلق والأمانة، لأن المرأة أمانة تسلمها لهذا الزوج، فهل سيصون هذه الأمانة أم سيضيعها؟
كما قال من قال من السلف: “زوج ابنتك من تقي، إذا أحبها أكرمها، وإذا أبغضها لم يظلمها”، لأنه يراعي الله عز وجل فيها، هو يراقب الله عز وجل في علاقته بهذه المرأة وهذه الأسرة.
ثانيا – المعاشرة بالمعروف والتغافل عن الزلات؟
الله سبحانه وتعالى أمر بالعشرة بالمعروف، أمر الرجال أولًا لأنهم قوامون على النساء، لهم قدرة ولهم قوامة ولهم قوة، ولذلك وجّه الخطاب إليهم في كتابه سبحانه وتعالى فقال: ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ )النساء/19.
ما حدد الله عز وجل المعروف، لأن المعروف كلمة واسعة عظيمة، وقد تتغير من زمن إلى زمن، عاشروهن بما تعارف عليه الناس، بما يسميه الناس معروفًا، كل ما يسميه الناس من المعروف ومن الجميل الذي يذكرك الناس به عامل المرأة به: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، هذا أمر الله سبحانه وتعالى.
وهذه الكلمة كلمة واسعة عظيمة يدخل تحتها جميع أنواع المعروف، وكان ﷺ يقول: “خيرُكُم خَيرُكُم لأَهْلِهِ وأَنا خيرُكُم لأَهْلي”الترمذي.
خيركم خيركم لأهله، بعض الناس خيره لغير أهله، إذا لقي أصحابه وجدوا منه الخير، وإذا لقي الناس في المجالس لقوا منه الخير، ولكن أهله لا يلقون منه خيرًا إلا القليل النادر، هذا خلاف الأولوية التي تعرف بها خيرية هذا الإنسان: «خيرُكُم خَيرُكُم لأَهْلِهِ».
الرسول ﷺ كانت معاملته لزوجاته عليه الصلاة والسلام من الرفق واللين والحكمة والصبر على الأذى، وكَفّ أذاك عن المرأة، سوء العشرة، سوء الخُلق، عدم الصبر، عدم التغافل عن الزلات اليسيرة، بعض الناس يريد أن يحاسب على كل صغيرة وكبيرة، وهل يسلم لك الصديق فضلًا عن الزوج إذا حاسبته على كل صغيرة وكبيرة؟ أين التغافل؟ التغافل من شيم الكرام، الكريم هو الذي يتغافل عن الزلات ويصفح، هذا هو الذي أمر الله تعالى به: ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَمْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ )الأعراف/199.
فلا بد من الإحسان في المعاشرة والصبر وكف الأذى كما أمر الله سبحانه وتعالى.
ثالثا – تحريم الظلم ورعاية حقوق الزوجة الضعيفة؟
ربنا سبحانه وتعالى حرّم الظلم، والرسول ﷺ يقول: “اتَّقُوا الظُّلمَ ؛ فإنَّ الظُّلمَ ظُلُماتٌ يومَ القيامةِ”مسلم، وظلم النساء وظلم الزوجات منتشر، بعض الناس يظلم المرأة لكونها ليس لها وليّ ينتصر لها، وأين الله يا عبد الله؟ ألم تسمع قول الله عز وجل: ( فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا )النساء/34؟
فلئن كانت المرأة ضعيفة، ليس لها أولياء في البلد، أو منقطعة، أو يتيمة، أو أنت تحتقرها لأنك ترى أنها دونك في المال وفي النسب وفي الوجاهة، فتتسلط عليها بالظلم وهي امرأة طائعة، قانتة، مطيعة، غير مقصرة معك: ( فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ) لماذا؟ لأن الله مولاهن، وهو العلي الذي هو أعلى من كل شيء، له العلو المطلق، له القهر على عباده.
بعض الناس يظلم امرأته، فإذا جاءته مصيبة قال: من أين جاءتني؟ سلّط عليه رجلًا أقوى منه يظلمه، لأن الله عز وجل يدافع عن المظلومين وعن الضعفاء، فاتق الله عز وجل إن أطاعتك المرأة فلا تبغِ عليها سبيلًا، لا تبحث عن السبيل لتظلمها وتتسلط عليها وتقهرها لأنها ضعيفة أو يتيمة أو مسكينة.
رابعا- تربية الأبناء وتنشئتهم ووقايتهم من الفتن والعادات المخالفة؟
1 – التربية والتعليم:
-إن الله سبحانه وتعالى اهتم بتربية وتنشئة الأبناء والبنات على ما يحب الله سبحانه وتعالى ويرضى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ )التحريم/6.
قال علي أمير المؤمنين رضي الله عنه في هذه الآية: ( قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ) قال: علموا أهليكم، أدبوهم، علموهم ما ينفعهم وما يقيهم حر النار.
-علموهم الأخلاق.
-علموهم الآداب الاجتماعية.
-علموهم احترام الكبير.
-علموهم الإحسان إلى الجار.
-علموهم الإحسان إلى اليتيم والفقير.
-علموهم الصلاة.
الله عز وجل أثنى على نبي كريم رسول، إسماعيل عليه الصلاة والسلام، ابن إبراهيم عليه الصلاة والسلام. بماذا أثنى الله تعالى على هذا النبي في كتابه؟ قال تعالى: ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا )مريم/54-55.
2 – مراقبة الله عز وجل في السر والعلن:
-أيضا راقب الله سبحانه وتعالى واستحي من الله قبل أن تستحي من خلقه، واستحي من الملائكة الحفظة الكرام الكاتبين أن يكتبوا عنك ما يشين صحيفتك يوم القيامة. ذكر أبناءك بهذا، أن يراقبوا الله قبل أن يراقبوك، لأن الإنسان لا يستطيع أن يراقب الأبناء في كل وقت وفي كل حين، فيربي عندهم هذا الخلق، خلق المراقبة، تقوى الله عز وجل في كل وقت وحين، تقوى الله خير من الحارس وخير من الشرطي، لأن الإنسان إذا غاب الحارس أو الشرطي ربما ارتكب ما يرتكبه، لكنه إذا اتقى الله عز وجل راقبه في كل وقت وفي كل حين.
-عود أبناءك برك وبر والدتهم، وذكرهم بأن بر الوالدين حق يأتي بعد حق الله تبارك وتعالى. ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا )النساء/36. ما أعظم هذا الحق! لا يكون حقا مضاعا، لا يكون حقا ضعيفا لا ينتبه له الولد، بل يراقبه.
3 – الابتعاد عن العادات الغربية والدعاء للأبناء:
احذر يا عبد الله أن تتسلل إلى بيتك العادات الغربية أو الشرقية، أو الملابس الغربية والشرقية المخالفة لديننا ولشرعنا.
للأسف الشديد أناس يصلون ويصومون ولا يراقبون أبناءهم ولا بناتهم فيما يلبسون! كيف يرضى المسلم لابنته وهي تخرج بملابس ضيقة إلى الأسواق، أو إلى الطرقات، أو إلى الجامعة؟ كيف يرضى بهذا؟ ألا يخاف أن يكون وقودا للنار في الآخرة؟ كيف يهنأ؟ كيف يهنأ المسلم أن يكون هو في الجنة وأهله في النار؟ ربنا عز وجل يقول: ( رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا )الفرقان/74. قال أهل التفسير: قرة عين المؤمن أن يكون هو وأهله وأولاده في الجنة. لا تهنأ نفسه ولا تقر عينه إذا كان بعض أولاده في النار، كيف؟!
المؤمن لا يرضى الخطيئة ولا الزلة ولا المعصية على أبنائه، بل يأمر وينهى ويدعو الله عز وجل لهم بظهر الغيب مجتهدا، حتى ينجيهم الله سبحانه وتعالى من فتن هذا الزمان وما أكثرها وما أسرعها وما أشدها.
-ويسأل الله سبحانه وتعالى في كل وقت وحين صلاح نفسه أولا، لأنه القدوة العملية لأبنائه، نعم، الأب هو القدوة لأبنائه، الأم هي القدوة لبناتها.
-احذر أن تكون قدوة سيئة لأولادك، يرون منك الكذب، يرون منك الغش، يرون منك ما حرم الله عز وجل.
انتبه فأنت قدوة لهم، يقتدون بك لا سيما إذا كانوا صغارا، فاتق الله عز وجل وكن قدوة صالحة، يقتدون بك في الخير، واجعلنا للمتقين إماما، اللهم آمين.