يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:

الكل منا يطلب البركة في ماله، وفي ولده، وفي عمره، وفي كل شأن من شؤون حياته. وربما يشكو البعض من قلة البركة في المال، أو في الولد، أو في العمر. والبركة من الله تبارك وتعالى:

فالله عز وجل هو الذي يبارك في الأرزاق.

وهو الذي يبارك في الأهل والأولاد.

وهو الذي يبارك في الأعمار.

-فربَّ مالٍ قليل كثرته بركة الله، ربَّ مالٍ قليل كثَّره الله عز وجل.

-وربما يكون عمر الإنسان قصيراً، ولكن يؤدي فيه من أعمال الخير، والعبادة، والدعوة، والعلم، والتعليم، والإرشاد ما يفوق غيره من الأعمار.

فتبارك الله رب العالمين، الذي يتفضل بهذه البركة على من يشاء، ويمنعها ممن يشاء.

-فقد يمحق ربنا البركة من مالٍ ولو كان كثيراً فلا ينتفع به الإنسان.

-قد يُعمَّر الإنسان عمراً طويلاً ولا ينتفع بعمره، ولا ينتفع منه الخلق.

-وقد يؤتى الإنسان علماً واسعاً ولا ينتفع به الناس، بل لا ينتفع به هو، الذي نفعه لازمٌ له، والعلم لا يكون نافعاً إلا إذا كان لازماً ومتعدياً، كما قال الله تبارك وتعالى: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ )فصلت/33. لا يوجد أحسن حالاً من هذا الإنسان، ممن دعا إلى الله ولم ينسَ نفسه وعمل صالحاً، يأمر بالمعروف ويأتيه، وينهى عن المنكر ولا يأتيه، من أحسن من هذا الإنسان؟ ممن دعا إلى ربه سبحانه وتعالى ولم ينسَ نفسه وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين.

ما هو أعظم أسباب البركة؟

للبركة أسباب، وأعظم تلك الأسباب:
تقوى الله جل جلاله وتقدست أسماؤه:
-أن تتقي الله تبارك وتعالى وأن تراقبَه.
-أن تتقيه في السر والعلن.
-أن تتقيه في حياتك كلها، فلا تفعل ما حرّم الله سبحانه وتعالى.
-وأن تكون عاملاً بما يرضيه سبحانه لا بما يغضبه.
وهكذا تعم البركة حياة الناس إن هم اتقوا الله عز وجل، بارك الله لهم في معاشهم، وفي حياتهم، وفي أرزاقهم، كما قال سبحانه وتعالى: ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )الأعراف/96. وما ربك بظلام للعبيد، سبحانه وتعالى يجازي عباده بأعمالهم، وهو مع ذلك يعفو عن كثير، قال تعالى:( مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ )الشورى/30.

ربنا عز وجل كم يعفو عنا! كم يصفح عنا! ولكن إن القرى كذّبت برسله، وعصت رسله، وفعلت ما يغضبه، فإن الله تبارك وتعالى ينزع عنهم البركات؛ تُحْقنُ عليهم السماء، وتقحط عليهم الأرض، وتضيق الأرزاق بما كسبوا.

وإن هم آمنوا بالله واتقوه، وأطاعوا رسله، فتح الله تعالى عليهم البركات من السماء والأرض.

فالتقوى كنز عظيم لا تفرط فيه أيها المسلم، هو سبب لكثرة الرزق، وصلاح الحال والمآل، وهو سبب البركة في كل شيء إن أنت اتقيت الله تبارك وتعالى.

كيف يكون الدعاء سبباً للبركة؟

من أسباب البركة الدعاء، فالالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى سبب عظيم لبركة العمر، والرزق، والمال، والولد، والعافية، والأعمال كلها. توجه إلى الله سبحانه وتعالى.
عن الحسنِ بنِ عليٍّ رضيَ الله عنْهما، قال : علَّمني رسولُ صلَّى عليْهِ وسلَّمَ كلماتٍ أقولُهنَّ في صلاة الوتر، – في قنوتِ الوترِ اللَّهمَّ اهدِني فيمن هديت، وعافِني فيمن عافيتَ، وتولَّني فيمن تولَّيتَ، وبارِك لي فيما أعطيتَ، وقني شرَّ ما قضيتَ، إنَّكَ تقضي ولا يقضى عليْكَ، وإنَّهُ لا يذلُّ من واليتَ، ولا يعزُّ من عاديتَ، تبارَكتَ ربَّنا وتعاليتَ”أبو داود،الترمذي،النسائي.

وإذا ضاقت عليك الأرزاق، وركبتك الهموم والغموم، فالجأ إلى الله سبحانه وتعالى، ادعُه، هو قريب منك سبحانه في كل وقت، ليس لذلك مواعيد دوام رسمي تُغلق فيه أبواب الدعاء. بل ربك سبحانه وتعالى إن أتيته نهاراً تائباً طالباً مستغفراً قبلك، وإن أتيته ليلاً كذلك قبلك، في أي ساعة ما شئت من ليل أو نهار.

وإن كان للدعاء أوقات يستجاب فيها أكثر من غيرها، كثلث الليل الأخير، وكالسجود، فإن العبد أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد.

جاء في سنن أبي داود دخل رسول اللهِ ذات يوم المسجد فإذا هو برجل من الأنصار يقال له : أبو أمامة، فقال : يا أبًا أمامة مالي أراك جالسا في غير وقت صلاة ؟ قال : هموم لزمتني وديون يا رسول اللهِ، قال : أفلا أعلمك كلاما إذا قلته أذهب الله همك وقضى عنك دينك،قلت : بلى يا رسول اللهِ، قال : قل إذا أصبحت وإذا أمسيت : اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال قال : ففعلت ذلك فأذهب الله تعالى همي وغمي وقضى عني ديني”.

التجأ إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء، الذي بيده مقاليد السماوات والأرض، مفاتيح الأرزاق كلها بيد الله سبحانه وتعالى. قال له: “قُلْ إذا أصبَحتَ وإذا أمسَيتَ ؛ اللهم إني أعوذُ بكَ منَ الهمِّ والحزَنِ”، الهم إذا غلب الإنسان قطعه عن العمل، العمل الصالح، العمل النافع، إذا ركب الإنسان الهم والغم ضاق خلقه ولم يستطع أن يصلي صلاة بخشوع، فيستعيذ بربه سبحانه وتعالى “من الهم والحزن” على ما سبق وعلى ما فات، فإن الإنسان إذا ظل متعلقاً بالماضي، إذا كان ماضياً كئيباً أو كان ماضياً حزيناً، أيضاً هذا يقطعه عن العمل الصالح.

واستعاذ النبي من العجز والكسل؛ العجز: أن لا يستطيع الإنسان فعل هذا الشيء، أما الكسل: فالإنسان قوي وربما يكون شاباً قوياً ولكنه متكاسل، الكسل ضعف في الإرادة، في إرادة الإنسان، الإنسان ليس له همة ولا عزيمة، هذا مرض أيضاً من الأمراض التي قد تصاب به الأمة ويصاب به خصوصاً الشباب، يتكاسلون عما ينفعهم في دينهم ودنياهم مع قدرتهم. قد يكون الشاب قوياً قادراً على حمل جمل، ولكنه يتكاسل عن المشي إلى المسجد.

واستعاذ النبي من البخل، البخل عن أداء الواجب، البخل والجبن، الجبن الذي يمنعه من قول الحق، أو من الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر في الحدود الشرعية.

ثم استعاذ من غلبة الدين، أن يغلبه الدين، ويقهره الرجال، أن يقهره الرجال بحق إذا طالبوه بحقوقهم وهو يعجز عن أدائها. ما أعظم هذا الدعاء!

وكذلك علم النبي علياً دعاءً آخر، قال له: “قل: “اللهمَّ اكفِني بحلالِكَ عن حرامِكَ، و أغنِني بفضلِكَ عمَّنْ سِواكَ”الترمذي.

هل العناية بالضعفاء والفقراء سبباً للبركة؟

من أسباب البركة، ومن أسباب التيسير، ومن أسباب الفرج: هو أن تعتني أيها المسلم بالضعفاء وبالفقراء، فتفرّج عن هذا، وتنفّس عن هذا، وتيسّر على هذا، وتُسقط دَين هذا. فإن الله تبارك وتعالى يعامل عبده بما يعامل هو به الناس، العبد إذا عامل الناس بصفة عامله الله تعالى بمثلها. يقول عليه الصلاة والسلام: “مَن نَفَّسَ عن مُؤمِنٍ كُربةً مِن كُرَبِ الدُّنيا نَفَّسَ اللهُ عنه كُربةً مِن كُرَبِ يوم القيامة، ومَن يَسَّرَ على مُعسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عليه في الدُّنيا والآخِرةِ“، أين كرب الدنيا من كرب الآخرة وكرب القيامة!

أنت إذا نفست عن مسلم كربة، إذا قضيت عنه ديناً، إذا سعيت في حاجته، فإن الله تبارك وتعالى ينفس عنك كربة من كرب يوم القيامة. “ومن يسر على معسر” -معسر غير قادر على قضاء الديون- “ومن يسَّرَ على مُعسرٍ في الدُّنيا يسَّرَ اللَّهُ عليهِ في الدُّنيا والآخرةِ ، ومن سَترَ على مُسلمٍ في الدُّنيا سترَ اللَّهُ علَيهِ في الدُّنيا والآخرةِ ، واللَّهُ في عونِ العَبدِ ، ما كانَ العَبدُ في عونِ أخيهِ”الترمذي،مسلم. الله في عونك، الله يعينك ما دمت في معونة أخيك. فأنت إذا رحمت فقيراً، إذا قضيت دينه، إذا أطعمته خبزاً، إذا تكفلت بنفقة أرملة أو يتيم، فإن الله تبارك وتعالى يفرج عنك ويرزقك.

ومنع النبي أمته من البخل المذموم، يقول النبي عليه الصلاة والسلام لأسماء بنت أبي بكر وهي امرأة -والعادة أن المرأة ليس لها راتب ولا معاش ولا كسب لكنها قد تنفق من شيء في بيتها- قال عليه الصلاة والسلام : “يا عائشةُ ! لا تُوكي فيوكَى عليكِ ، أنفِقي يُنفَقْ عليكِ”أبو داود،النسائي. أنفقي، ينفق عليكِ رب الأرض والسماء، أنفق على عباد الله، أعن المحتاجين ما دام في قدرتك وفي استطاعتك، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

ومن أسباب الرزق العظيمة هو الاعتناء بالضعفاء والفقراء، كما قال : “فإنَّما تُرزَقونَ وتُنصَرونَ بضُعفائِكُم”أبو داود،الترمذي. بالضعفاء ينصرك الله، إن نصرتهم نصرك الله، وإن أطعمت أطعمك الله، وإن فرجت عنهم فرج الله عنك. فعامل الناس بهذه الصفات، يعاملك الله عز وجل بمثلها.

ما أثر صلة الأرحام في البركة؟

ومن أسباب البركة في الأعمار والأرزاق: صلة الأرحام، التي نغفل عنها أحياناً، فالرسول يقول في الحديث المتفق على صحته: “مَن سَرَّه أن يُبسَطَ له في رِزقِه، أو يُنسَأَ له في أثَرِه، فليَصِلْ رَحِمَه”مسلم.
وأعظم ذلك: الوالدان، أعظم الأرحام التي يجب أن توصل بر الوالدين، السعي في خدمتهما، قضاء حوائجهما، إدخال السرور عليهما بكل ما تستطيع، بالمال، بالكلمة الطيبة، بالاحترام، بالمعاملة الحسنة، كل ذلك مما يزيد في رزق العبد ويفتح له أبواب الرزق وطول العمر.

يقول بعض السلف: “إن الرجل ليصل رحمه فيزيد الله تعالى في عمره ثلاثين سنة، وإن الرجل ليعق والديه فينقص الله من عمره ثلاثين سنة” والعياذ بالله. هذا ربما يحصل، أن الله يحاسبك على أعمالك وعلى أقوالك، فانتبه لهذا الأمر.

ما أثر السعي والعمل في البركة؟

ومن أسباب الرزق أيضاً والبركة: السعي، كما ذكرنا قبل قليل الكسل داء، كثير من الشباب إذا لم تتوفر له فرصة عمل في موضع يحبه، قعد في بيته وتكاسل عن العمل، لا أيها المسلم.
يقول الله عز وجل: ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ )الملك/15. امشِ، الله عز وجل قال ( فَامْشُوا )، تحرّك، ابحث، وارضَ بما قسم الله تعالى لك.

ليس عيباً أن تكون حداداً، ليس عيباً أن تكون نجاراً -وهذا يعني ليس هو من المهن المعروفة عندنا لكن ليس عيباً-، هذا نبي الله داود كان حداداً، حتى ألان الله تعالى له الحديد، وهذا زكريا يقول النبي كان نجاراً.

المهنة ليست عيباً، العيب أن تسأل الناس، العيب أن تعرض نفسك للناس بالسؤال وأنت قادر على العمل والكسب والحركة.