يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:

إن من أعظم مهمات النبي ووظائفه تعليم أمته الخير، ودلالتهم على طرق الهداية؛ فإن الله سبحانه وتعالى أرسله معلمًا وهاديًا وبشيرًا وداعيًا إلى الله تعالى بإذنه وسراجًا منيرًا. يقول الله سبحانه وتعالى: ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ )الجمعة/2؛ والأميون هم الذين ليس لهم رسول ولا نبي ولا كتاب، وهم العرب، فبعث الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام فيهم، فتلا عليهم آيات الله، ودعاهم إلى تزكية النفوس وتطهيرها، وعلمهم الكتاب، وعلمهم الحكمة وهي السنة، كما قال أهل العلم والتفسير.

كيف كان حال العرب قبل البعثة؟

-كانوا أمة شرك وجاهلية، وعبادة للأصنام، واستحلال للمحرمات، ووقوع في الفواحش والمنكرات. والرسول علم أمته السنة النبوية قولًا وفعلًا وتقريرًا؛ فالقول ما أُثر عنه عليه الصلاة والسلام، والفعل ما كان يفعله ويأمر أمته أن تهتدي وتقتدي به، فيقول لهم : “صَلُّوا كما رَأَيْتُموني أُصلِّي”البخاري،مسلم، ويقول : “خذوا عنِّي مناسِكَكم”أبو داود،النسائي. والتقرير ما يُفعل بحضرته فيبتسم أو يسكت عنه ويقره، وقد أمرنا الله عز وجل باتباعه والاقتداء بهديه: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْإِليَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا )الأحزاب/21.

الله سبحانه وتعالى أنقذ هذه الأمة برسالة رسوله عليه الصلاة والسلام، فانتشل العرب من الحضيض الداني حتى صاروا بعد ذلك سادات الدنيا، صاروا أئمة الهدى، الصحابة رضي الله عنهم هم الجيل الذين علمهم رسول الله ، معلمهم ومؤدبهم وقائدهم وهاديهم هو محمد ، فكانوا بعد ذلك أعظم أمة عرفتها الدنيا صفاءً ونقاءً وصلاحًا وعلمًا نافعًا ودعاةً هادين مهتدين. قال الله عز وجل ممتنًا على هذه الأمة: ( وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ )آل عمران/103.

-العرب كانوا متباغضين، قبائل متناحرة، متقاتلة، فألف الله تعالى بين قلوبهم بالإسلام والإيمان، اجتمع الصحابة من قبائل شتى ومن بلاد مختلفة، كلهم اجتمعوا على هذا الدين، متناصرين، متحابين، متوادين، ينصرون الله تعالى ورسوله، تعاضدوا على خدمة دين الله عز وجل، ونصرة رسول الله ، فألف الله تعالى بين قلوبهم بالإيمان وبالإسلام، فيقول الله عز وجل: ( وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ )الأنفال/63.

الدنيا والأموال لا تؤلف بين القلوب، المصالح المشتركة لا تؤلف بين القلوب، الذي يؤلف بين القلوب هو الإيمان، هو الإسلام، هو الإذعان لله رب العالمين سبحانه وتعالى، هو الذي ألف بين قلوب العرب وبين قبائلها المختلفة، بل ألف بين العرب والعجم بالإسلام والإيمان، فتناصروا وتعاضدوا وتنافسوا في خدمة دين الله تبارك وتعالى وإعلاء كلمته في الأرض.

الأساليب النبوية في التعليم والدعوة؟

تنوعت أساليب النبي في دعوة أمته إلى الخير والهدى، وتعليمهم طرق الهداية؛ فالرسول سلك أساليب مختلفة في تعليم الصحابة رضي الله عنهم ما ينفعهم، من ذلك:
-أنه كان يقص عليهم بعض القصص، ويذكرهم ببعض الحوادث الماضية في الأمم الغابرة، وهذا أسلوب قرآني، فالله تبارك وتعالى قص على هذه الأمة قصص الأمم السابقة، بل قص علينا كل قصة فيها عبرة، ذكر لنا قصة آدم وخلقه، وذكر لنا قصة إبراهيم، وقصة نوح وهود وصالح وشعيب، وقصة موسى مع فرعون، وقصة عيسى عليه الصلاة والسلام، وغيرها من القصص، قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )يوسف/111.

عبرة.. في القصص الماضية عبرة لأولي الألباب، وقصص القرآن قصص فيه مواعظ، فيه تذكير بالخير وتحذير من الشر، وقصص القرآن قصص حقيقية ليست خيالية، وللأسف الشديد أن المسلمين اليوم، أو كثير منهم والمسلمات انشغلوا بالتمثيليات، وبالمسلسلات، وبالأفلام، وتركوا قصص القرآن الذي فيه الخير كله والموعظة والذكرى، وهو قصص حقيقي ليس تأليفًا، وليس خيالًا، وليس هو مما أبدعته مخيلة المخرج أو المؤلف للسيناريو، لا، هذا كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

الرسول كان يقص على الصحابة بعض القصص التي هي للذكرى والموعظة نذكر منها:

1– قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا ثم أراد أن يتوب.

2– قصة النفر الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار بسبب البرد أو المطر، فجاءت صخرة فانطبقت على الغار، فقالوا: إنه لن ينجيكم اليوم إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فصاروا يدعون الله في الليل البهيم وحدهم، ليس عندهم أحد، هذا توسل ببره لوالديه، وهذا توسل بعفته عن الحرام عن الزنا بعد أن قدر عليه وصارت المرأة بين يديه، وهذا توسل إلى الله عز وجل بعفته عن أكل مالي الناس ظلمًا وعدوانًا. (بعض الشركات وبعض الناس يعطل أجور العمال الضعفاء أو يؤجل ويؤخر أجر العامل أو الخادم عنده ظلمًا وعدوانًا، هذا مما حرمه الله عز وجل، واعلم أن لهذا الضعيف ربًا قويًا عزيزًا قادرًا على الانتقام منك، احذر يا مسلم). فلما توسلوا إلى الله سبحانه وتعالى بصالح أعمالهم فرج الله عنهم وانزاحت عنهم الصخرة بقدرة الله سبحانه وتعالى.

3– قصة الأبرص والأقرع والأعمى الذين اختبرهم الله عز وجل بأن أرسل إليهم ملكًا وأعطاهم ما يشتهون وما يحبون من الأموال.

-فأسلوب القصص مما يستعمله أهل التربية والتعليم.

-وكان أيضًا يعلم أمته بالموعظة والتذكير بالله والتذكير بالنهاية المحتومة لكل إنسان وهي الموت، والتذكير بما يكون في الجنة وفي النار، وما يكون في القبور من نعيم أو ضده، هذا أسلوب الموعظة، يقول عبد الله ابن مسعود: “كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَتَخَوَّلُنا بالمَوعِظةِ في الأيَّامِ؛ كَراهةَ السَّآمةِ علينا”مسلم.
يعني لا يكثر علينا الموعظة وإنما ينظر الوقت المناسب حتى لا تمل النفوس. والموعظة غير العلم، العلم والتعليم يستمر دومًا، لكن الموعظة هي التخويف والترغيب والترهيب.

-هذا أسلوب ينبغي ألا يسرف فيه الإنسان لئلا تمل القلوب.

وأيضًا كان عليه الصلاة والسلام مع ذلك رفيقًا بأمته، رفيقًا بأصحابه، كما وصفه الله عز وجل بقوله: ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ )التوبة/128 . ما كان يوبخ الجاهل، ما كان يشتد على الجاهل، وإنما كان يصبر عليه ويعلمه قدر استطاعته عليه الصلاة والسلام.

شرف وظيفة تعليم الخير والاقتداء بالنبي؟

إنه لشرف عظيم للمسلم أن يكون معلمًا للخير، وأن يقتدي في ذلك برسوله رسول الهدى ، هذه الوظيفة من أشرف الوظائف، هي وظيفة أهل العلم والعلماء والفقهاء والمدرسين والمعلمين والمربين والآباء والأمهات، هذه الوظيفة من أشرف الوظائف.
الرسول يقول: “وإنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ ، وإنَّ الأنبياءَ لم يُورِّثُوا دينارًا ولا درهمًا ، ورَّثُوا العِلمَ فمن أخذَه أخذ بحظٍّ وافرٍ”أبو داود،الترمذي،ابن ماجه.
هذه الوظيفة الشريفة ينبغي أن يقوم بها المسلم ويقتدي فيها برسول الله ؛ فإنه أعظم معلم عرفته البشرية عليه الصلاة والسلام:

-كان رؤوفًا رحيمًا بالناس.

-معلمًا هاديًا.

-لا يؤاخذ الناس ولا الجاهل ولا يشدد على الناس في موضع يحتمل التسهيل، ولا يسهل في الأمور العظيمة أيضًا.

-بل كان حكيمًا عليه الصلاة والسلام يضع الأمور في نصابها.

أسلوب الحوار بالحجة والمنطق؟

كان عليه الصلاة والسلام يحاور بعض الناس بالحجة وبالمنطق، كما روى الإمام أحمد إنَّ فَتًى شابًّا أتى النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال: يا رسولَ اللهِ، ائْذَنْ لي بالزِّنا، فأقبَلَ القَومُ عليه فزَجَروه وقالوا: مَهْ، مَهْ! فقال: ادْنُهْ، فدَنا منه قَريبًا، قال: فجَلَسَ، قال: أتُحِبُّه لأُمِّكَ؟ قال: لا واللهِ، جَعَلَني اللهُ فِداءَكَ، قال: ولا النَّاسُ يُحِبُّونَه لأُمَّهاتِهم، قال: أفتُحِبُّه لابنتِكَ؟ قال: لا واللهِ، يا رسولَ اللهِ، جَعَلَني اللهُ فِداءَكَ، قال: ولا النَّاسُ يُحِبُّونَه لبَناتِهم، قال: أفتُحِبُّه لأُختِكَ؟ قال: لا واللهِ، جَعَلَني اللهُ فِداءَكَ، قال: ولا النَّاسُ يُحِبُّونَه لأَخَواتِهم، قال: أفتُحِبُّه لعَمَّتِكَ؟ قال: لا واللهِ، جَعَلَني اللهُ فِداءَكَ، قال: ولا النَّاسُ يُحِبُّونَه لعَمَّاتِهم، قال: أفتُحِبُّه لخالتِكَ؟ قال: لا واللهِ، جَعَلَني اللهُ فِداءَكَ، قال: ولا النَّاسُ يُحِبُّونَه لخالاتِهم، قال: فوَضَعَ يدَه عليه وقال: اللَّهُمَّ اغفِرْ ذَنبَه، وطَهِّرْ قَلبَه، وحَصِّنْ فَرْجَه، قال: فلمْ يَكُنْ بعدَ ذلك الفَتى يَلتفِتُ إلى شيءٍ”.

الحوار النافع بالحجة وبالبرهان يحتاجه شباب المسلمين اليوم، ولكنه يحتاج إلى الحكمة، ويحتاج إلى العلم، ويحتاج إلى الحلم والصبر على أبناء وبنات المسلمين.