القبر أول منازل الآخرة، وإن العبد ليمتحن ويختبر في قبره، كما نطقت به النصوص من القرآن والسنة، فقد أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وأحمد وغيره، الأحاديث الصحيحة في اختبار العباد في قبورهم بأسئلة ثلاث، يمتحن العبد في قبره كما قال النبي ﷺ: «إذا وضع العبد في قبره وتولى عنه أصحابه» -تولى عنه أصحابه وأهله، فلا أب ولا أم، ولا أخ ولا زوجة، ولا ولد، ولا مال ولا سلطان- «أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما منكر والآخر نكير، فيجلسانه في قبره، ويسألانه أسئلة ثلاث، أسئلة ثلاث يسأل عنها العبد في قبره، يقولان له: من ربك؟ وما دينك؟» -أو نبيك؟ أو ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟-.
–فأما العبد المؤمن الذي كان يعبد الله عز وجل على علم وبصيرة وإيمان وتصديق، فانه يقول: “ربي الله، وديني الإسلام، ونبي محمد ﷺ”.
فيقال له: صدقت وبررت، فيفرش له من الجنة، ويفتح له باب إلى الجنة، يأتيه من ريحها وروحها، ويصعد بروحه إلى السماء، فتفتح لها أبواب السماء، ويخرج لها أطيب ريح وجدت، هذه الرائحة الطيبة تناسب هذه الروح الطيبة، التي كانت تسكن في الجسد الطيب المؤمن الصالح العابد العامل بما أمره الله سبحانه وتعالى به، وترد روحه إلى قبره ويقال له: نم نومة العروس، لا يوقفها أو لا يوقظه إلا أحب الناس إليه.
–وأما العبد الفاجر أو الكافر، فإنه يسأل هذه الأسئلة الثلاث: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ أسئلة سهلة، يراها الناس في الدنيا أنها أسئلة سهلة، يمكن أن يجيب عليها الإنسان، ولكن الله سبحانه وتعالى لا يثبت في هذا الموضع إلا أهل الإيمان، كما قال تعالى: ( يثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ )إبراهيم/27، وفعله سبحانه وتعالى موافق للحق، ويفعل الله ما يشاء، فعله سبحانه وتعالى موافق للعدل،قال تعالى: ( وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ )فصلت/46، وقال تعالى: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )العنكبوت/40.
هذا العبد البعيد عن الله، الذي كفر بالله، الذي كفر بنعمة الله عليه، عاش كافرا ومات كافرا، فاجرا لا يعرف ربه سبحانه وتعالى ولا دينه ولا نبيه ﷺ.
أسئلة، يقول القائل أسئلة سهلة، ولكنه إذا سئل من ربك؟ يقول ها، ها، لا أدري، ما أدري من هو ربي، ما دينك؟ فيقول ها، ها، لا أدري.
يطمس الله عز وجل على بصيرته، يطمس على قلبه، فلا ينطق لسانه، من هذا الرجل الذي بعث فيكم، من نبيك؟ فيقول ها، ها، لا أدري، “فيضرب بمزربة، يضرب بمطرقة من حديد، لو ضرب بها جبل لتفتت، فيصيح صيحة، يسمعها كل شيء إلا الثقلين”، إلا الإنس والجن.
إذا ذهب المسلم إلى المقابر، لا شك أن فيها أناسا يعذبون، لا يسمع شيئا، ولهذا لا نرى طيوراً في المقابر ولا حيوانات تعيش، لأنها لا تطيق، لا تطيق أصوات المعذبين الذين يصرخون، ويستغيثون، ولكن الإنسان في غفلة، حتى إننا نجد أناسا بين القبور يمزحون ويضحكون في هذا الموضع، في هذا الموقف الرهيب، في موقف الاختبار العظيم، وهذا كله من الغفلة والعياذ بالله.
-ثم تصعد روحه، تخرج روحه، فيخرج لها أنتن ريح وجدت، فتقول الملائكة: ما هذه الريح المنتنة؟ ما هذه الريح الخبيثة؟ التي كانت تسكن في الجسد الخبيث، فاذا صعد بها إلى السماء، أغلقت دونها أبواب السماء، روح مطرودة من رحمة الله عز وجل، لا يقبلها الله عز وجل، ولا تتلقاها الملائكة، فترد إلى جسده في قبره، ويفتح له باب إلى النار، يفتح له باب إلى جهنم، والعياذ بالله، فيأتيه من ريحها، ويأتيه من حرها، فيقول ربي لا تقم الساعة.
ما هي حقيقة هذه الأسئلة الثلاثة وكيف يتحقق الإيمان بها؟
-هذه الأسئلة العظيمة الثلاث، التي نراها سهلة، هي أسئلة عظيمة، هي أصول الدين، الدين قائم على معرفة الله عز وجل، ومعرفة النبي، ومعرفة الدين.
وقد ألف في هذه الأسئلة الثلاث الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله الكريم، كتابا سماه “الأصول الثلاثة”، فيما يجب على العبد معرفته، يجب على المسلم أن يعرف أجوبة هذه الأسئلة الثلاثة، لا على مجرد المعرفة العابرة، بل معرفة الإيمان، معرفة التصديق والإذعان، فإن الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان بالقلب، وعمل بالأركان.
-الإيمان ليس كلمة مجردة يقولها الإنسان مجردا يقول آمنت بالله، لابد أن يذعن بقلبه ويصدق، لابد أن يعمل بأركانه، الإيمان ليس مجرد ادعاء، كما نقول ادعاء مجاني، لا، لابد من حقيقة، لابد من برهان يدل على الإيمان، وعلى وجود هذا الإيمان، فالإيمان له آثار، الإيمان إذا وجد في القلب ظهرت آثاره، ظهرت أعماله، ظهرت ثمراته، كمثل الشجرة الطيبة التي تخرج الثمار الطيبة، وهكذا إذا خلى القلب من الإيمان عرف ذلك من تصرفات الإنسان.
–ضعف الإيمان، خلو القلب من الإيمان تدل عليه الأدلة والبراهين من الأقوال والأفعال، نعم، تعرف أن هذا الإنسان إيمانه ضعيف، من أقواله التي لا يراقب فيها الله عز وجل، من أفعاله التي لا يحسب فيها حسابا لربه سبحانه وتعالى، فالإيمان قول واعتقاد وعمل، الله عز وجل لم يذكر الذين آمنوا إلا قال وعملوا صالحات، كما قال تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا)الكهف/30،
فالإيمان له أعمال وله أقوال:
-العبد الحقيقي العبد الصالح الذي ينتظر النتيجة الطيبة التي يسعد بها في الدنيا والآخرة.
-لابد أن يدرس هذه الأسئلة الثلاثة.
-لابد أن يتعلم دينه الذي أنزله الله تعالى إليه.
كم من المسلمين لا يعرف عن دينه إلا أقل القليل، كم من المسلمين لا يعرف عن ربه إلا أقل القليل، لا يعرف عن نبيه ﷺ، إلا أقل القليل، بل ربما يعرف عن الفنان فلاني واللاعب الفلاني، وعن حياته وعاداته ومولده ونشأته، أكثر مما يعرف عن نبيه محمد ﷺ، فكيف بهذا العبد؟ إذا وضع في قبره فقيل له: من نبيك؟ ماذا سيقول؟ إذا قيل له: من ربك؟ وهو لا يدري عن ربه إلا أقل القليل، إذا قيل له: ما دينك؟ ماذا سيجيب؟
–هل هو من الصنف الأول الذي يثبته الله عز وجل بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة؟كما قال تعالى: ( يثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ )إبراهيم/27.
–أو هو من الصنف الثاني الذي قال الله عز وجل فيه: ( وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ )إبراهيم27
-الذين ظلموا أنفسهم ظلموها لأنهم أورثوها المهالك، تريد لنفسك في الدنيا الراحة، وتسعى في أسباب الراحة في الدنيا، توفر لنفسك الطعام الطيب، والملبس الطيب، والمسكن الواسع، والمكيف البارد، والفراش الوثير، والبعد عن الإزعاج والضوضاء، طيب هذه الدنيا، وطيب الآخرة؟ ألا تمهد لنفسك؟ ألا تمهد لنفسك لآخرتك؟ ( وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ )الروم/44 يمهدون لأنفسهم؛ لأنهم يعلمون أنه المستقبل الذي لابد منه، المستقبل الذي هو أمامهم.
من يُعفى من فتنة القبر وما هي شروط ذلك؟
جدير بالذكر أن هذا الامتحان العظيم ،هذا الاختبار الذي هو من أعظم الاختبارات وأعظم الامتحانات، وتترتب عليه أعظم النتائج وأجلها وأعظمها.
هذا الاختبار يعفى عنه أو يعفى عنه بعض الخلق كما جاء في الأحاديث الكثيرة:
1- الشهداء لا يختبرون في قبورهم إن الله عز وجل أكرمهم من مات في سبيل الله من قتل في سبيل الله فإن الله عز وجل يعفيه من هذا الاختبار ومن هذا الابتلاء.
2- ومن قرأ سورة الملك كل ليلة آمن الفتان آمن الفتنة في القبور كما ورد في الحديث.
قال ﷺ: “سورةُ تبارك هي المانعةُ من عذابِ القبرِ”.
وقال صلة الله عليه وسلم: “{ تبارك الذي بيدِه الملكُ } هي المنجيةُ من عذابِ القبرِ”.
وقال ﷺ: “إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ}”أحمد،أبو داود،الترمذي.
وهذا الفضل والذي قبله يجب ألا يكون هناك مانع يمنع من حصوله، صحيح أن من قتل في سبيل الله يعفى من فتنة القبر، لكن يجب أن يكون هذا المقتول في سبيل الله رجلاً صالحاً مستقيماً ليس من أصحاب الكبائر، ليس من أصحاب الذنوب الكبيرة، وكذلك الذي مثلاً يقرا سورة الملك يجب أن يكون مبرءاً من هذه الذنوب العظائم التي لعن الله أصحابها، أو طردهم من رحمته، أو أنه غضب عليهم، أو أنه توعدهم بالعذاب الأليم كعاق والديك، وكآكل الربا، وآكل مال اليتامى، والواقع في الفواحش والعياذ بالله وما أشبه ذلك.
ما هي خطورة الشرك والتنفير منه؟
لابد من معرفة أن آيات الرجاء، الآيات التي يعد الله عز وجل فيها خلقه فيقول لهم مغفرة وأجر عظيم، لابد معرفة أن هذه المغفرة والأجر العظيم تحصل للعبد ما لم يحول بينها وبينه شيء مما حرم الله عز وجل على عباده.
فمن قتل في سبيل الله بريئاً من كبائر الذنوب، وقبل ذلك وأعظم من ذلك لم يكن بريئاً من الشرك بالله سبحانه وتعالى أو الكفر؛ فإن الشرك بالله لا ينفع معه عمل، والتوحيد لا تضر صاحبه المعاصي بأن يخلد في النار،قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه :”يا ابنَ آدمَ ! لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأرضِ خطَايا ثُمَّ لَقِيْتَني لاتُشْرِكْ بِيْ شَيْئًَا لأتيْتُكَ بِقِرَابِها مَغْفِرَةً”الترمذي،أحمد، هذا فضل التوحيد، هذا فضل كلمة لا إله إلا الله، هذا فضل من تمسك بعهد الله وميثاقه.
أن الله عز وجل أخذ عليكم العهد والميثاق أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، لا تقعوا في الشرك صغاره وكباره، هذا عهد بين العبد وبين ربه سبحانه وتعالى، إذا أخل بهذا العهد فليس له عند الله عز وجل أجر على عمله والعياذ بالله، قال سبحانه وتعالى: ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ )الزمر/65.
يحبط العمل، يسقط العمل، يهلك العمل، يفْسُد العمل إذا جاء العبد به ومعه شرك بالله تبارك وتعالى.
ولهذا كان خوف الأنبياء من الشرك عظيماً حتى أنهم لا يكلون ولا يملون من تحذير العباد من الشرك بالله عز وجل، هذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام إمام الأنبياء يقول: ( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )إبراهيم/35-36.
إبراهيم عليه الصلاة والسلام يدعو ربه ويقول: اجنبني، اجعلني في جانب بعيد من عبادة الأصنام، والأصنام من يتوجه لها الإنسان، من يطلب رضاها، من يخاف من غضبها، سواء كانت تمثالاً يعبد من دون الله أو كانت شهوة من الشهوات.
قال عليه الصلاة والسلام: “تَعِسَ عبدُ الدِّينارِ، وعَبدُ الدِّرهَمِ، وعَبدُ الخَميصةِ، إن أُعطيَ رَضيَ، وإن لَم يُعطَ سَخِطَ، تَعِسَ وانتَكَسَ …..”البخاري.
في عصرنا اليوم يعبد المال من دون الله عز وجل، نعم الناس في صعوبة إلا من رحم الله عز وجل، تركض ليل نهار خلف الأموال، تطلب رضا أصحاب الأموال، سواء وافق رضا الرحمن أم خالف، هذه عبادة وإلا لم يقل النبي عليه الصلاة والسلام تعس عبد الدينار، عبد الدينار ليته أن يصارع ديناراً ويعبده ويسجد له ويصلي له، لا، أنه يطلب رضاه، لا يبالي بدين، ولا بحلال، ولا بحرام، يطلب رضا المال، يجمع المال من كل طريق حلال أو حرام، لا يبالي بذلك، هذا هو عبد الدينار، هذا هو عبد الدرهم، عبد الخميصة عبد الثوب، عبد الخميصة، يكون الإنسان عبداً لأشياء تافهة، يطلب رضاها ولو خالفت رضا الرحمن والعياذ بالله تبارك وتعالى.