يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
من خصائص نبينا محمد ﷺ أنه أُوتي جوامع الكلم، ومعنى جوامع الكلم أنه ﷺ يعبر عن المعاني الكثيرة الواسعة بالألفاظ القليلة، وهذا كما قال العرب قديماً: خير الكلام ما قل ودل.
كان ﷺ كلامه قليل ولكنه جامع، يجمع المعاني الواسعة الكثيرة، وسنذكر أربعة أحاديث جامعة، عدّها العلماء عمدة الإسلام، الأحاديث التي يدور عليها دين الإسلام الذي ارتضاه الله تعالى للأنام.
إنما الأعمال بالنيات؟
الحديث الأول: قوله ﷺ: “إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لِكلِّ امرئٍ ما نوى”البخاري وأبو داود، هذا حديث عظیم، قال الشافعي رحمه الله: يدخل في سبعين باباً من أبواب الفقه، إنما تُعتبر الأعمال بالنيات.
• أهمية النية: النية أهميتها عظيمة، فائدتها جليلة، تورث الإنسان المنازل العالية، كم من عمل قليل تكثّره النية، وكم من عمل كثير تحقّره النية، كما قال ابن المبارك رحمه الله.
• التفريق بين العبادة والعادة: النية تفرق بين العبادة والعادة، لهذا ذكر النبي ﷺ أمته فقال: “مَن صامَ رَمَضانَ إيمانًا واحتِسابًا غُفِرَ له ما تَقدَّمَ مِن ذَنبِه”البخاري ومسلم، فمن ترك الطعام والشراب عادةً دون نية الصيام لم يحصل له الأجر ولم يدخل في العبادة، فالنية تفرق بين العادة والعبادة.
• زيادة ثمرات الأعمال الصالحة: تعلم النيات يزيد في ثمرات الأعمال الصالحة، فإنسان يتوضأ لأجل أن يصلي، وإنسان آخر يتوضأ لأجل أن يصلي وهو مؤتمر بأمر الله تبارك وتعالى يتذكر هذا في وضوئه، إنسان ثالث يتوضأ ويزيد على ما تقدم حرصه على اتباع هدي النبي ﷺ، رابع يتوضأ وهو ينوي أن يكون على طهارة دائمة، هذه نيات تزداد ثمراتها عند الإنسان إذا تذكرها.
• الأجر على المباحات: بالنية يمكن أن تُؤجر على العمل المباح العادي؟ يمكن أن تُؤجر على النوم، يمكن أن تُؤجر على الأكل، من نام ينوي بذلك التقوي على الطاعة فهو مأجور على نومه وهو في نومته، من أكل بنية أن يتقوى على الطاعة فهو مأجور، قال النبي ﷺ: “إنَّكَ لن تُنْفِقَ نفقةً تبتَغي بها وجهَ اللهِ عزَّ وجلَّ إلَّا أُجِرْتَ بها حتَّى ما تجعلُ في فَمِ امرأتِكَ”البخاري ومسلم، حتى اللقمة التي قد تقع على وجه الملاعبة إذا وضعتها بنية كسب القلب وتطيب الخاطر ودوام العشرة فإن لك بها أجراً عند الله سبحانه وتعالى، تعلموا أيها المسلمون نيات أعمالكم.
الحلال بيّن والحرام بيّن؟
الحديث الثاني: قوله ﷺ في حديث النعمان بن بشير: “الحَلالُ بَيِّنٌ، والحَرامُ بَيِّنٌ، وبينَهما مُشَبَّهاتٌ لا يَعلَمُها كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ، فمَنِ اتَّقى المُشَبَّهاتِ استَبرَأ لدينِه وعِرضِه، ومَن وقَعَ في الشُّبُهاتِ كَراعٍ يَرعى حَولَ الحِمى، يوشِكُ أن يواقِعَه، ألا وإنَّ لكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألا إنَّ حِمى اللهِ في أرضِه مَحارِمُه، ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضغةً إذا صَلَحَت صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّه، وإذا فسَدَت فسَدَ الجَسَدُ كُلُّه، ألا وهي القَلبُ”البخاري ومسلم.
• وضوح الحلال والحرام: يقول ﷺ: الحلال بيّن، الحلال واضح، كالخبز والماء والفاكهة، هذا شيء لا يختلف فيه اثنان، والحرام بيّن، ما حرّم الله عز وجل من قتل النفس والزنا والسرقة وشرب الخمر والميتة والخنزير، حرام بيّن واضح.
• الأمور المشتبهات ورأي العلماء: وبينهما أمور مشتبهات، يعني تشتبه على كثير من الناس، لا يدري أهي من الحلال أم هي من الحرام؟ لا يعلمهن كثير من الناس، من يعلمها؟ يعلمها العلماء، يعلمها الفقهاء الذين يفرقون بين الحلال والحرام بالدليل وبالقياس والاجتهاد، فإذا غابت عنك مسألة فاسأل أهل الذكر كما أمرك الله عز وجل: ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ )النحل/43.
• اتقاء الشبهات والسلامة للدين والعرض: فمن اتقى الشبهات، أحياناً حتى العلماء يقولون: هذه مسألة اختلف فيها والأقرب للصواب هو كذا وكذا، ومن تركها فقد استبرأ لدينه وعرضه، يعني يقطع أن دينه بريء لم يُخدش لا بشيء محرم ولا بشيء مكروه، كما قال النبي ﷺ في حديث الحسن: “دع ما يَريبكَ إلى ما لا يَريبُكَ”رواه الترمذي.
فالواجب إذا اشتبهت عليك مسألة وحاك في صدرك منها شيء بعد السؤال والعلم؛ اتركها لله تستبرئ لدينك، وتستبرئ لعرضك، أن لا يتكلم فيك بعض الناس ويقولون: «رأيناه يفعل كذا، ويتعامل بكذا»، وقد حرمها العالم الفلاني. وربما يقع الإنسان في الشبهة فيقع في الحرام، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، ألا وإن لكل ملك حمًى يحميه، كما كان الناس في الجاهلية لكل ملك أرض لا يدخلها غيره، وغير المواشي والرعاة، فمن تجرأ ودخل فيها عوقب.
• صلاح القلب وجوارح البدن: نبه ﷺ على المضغة، والمضغة: شيء قليل بالنسبة إلى باقي البدن، وهي القلب. قال ﷺ:”ألا إن في الجسدِ مضغةً إذا صلَحتْ صلَحَ لها سائرُ الجسدِ وإذا فسدتْ فسد لها سائرُ الجسدِ ألا وهي القلبُ”البخاري ومسلم.
-القلب يصلح بذكر الله، بتعلم العلم النافع، بالتوبة والاستغفار، بتطهير القلب من الرذائل المعنوية، وأعظمها الشرك بالله.
-الشرك بالله نجاسة كما قال الله عز وجل: ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ )التوبة/28. الشرك – تعلق القلب بغير الله – أمر محرم، وهو أعلى أمراض القلب.
-وكذلك النفاق، التملق لأهل الباطل والعياذ بالله، الحسد، الحقد على المسلمين والغل، وأعظمه وأخبثه الغل والحقد على أصحاب رسول الله ﷺ، أشرف الناس، سادات المؤمنين. ينبغي أن لا يكون في قلبك غل على سادات الأمة، ولا على أئمة المسلمين، ولا على علمائهم، بل تدعو لهم بظهر الغيب كما قال تعالى: ( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ )الحشر/10.
لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه؟
الحديث الثالث: قول النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: “لا يُؤمِنُ أحَدُكُم حتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنَفسِه”البخاري ومسلم.
لا يؤمن الإيمان التام، ولا يبلغ كمال الإيمان والإسلام، ولا يبلغ نهاية الإسلام والإيمان حتى يطهر قلبه، فيحب لإخوانه المسلمين ما يحب لنفسه من الخير كله؛ من العلم، من الإيمان، من العمل الصالح، من الطاعة، من العبادة، من الرزق، من الصحة والعافية، من المعافاة في الدين والدنيا والأهل والمال والولد.
• تآلف المجتمع الإسلامي كالجسد الواحد: يجب أن تحرك قلبك بالمحبة والألفة لإخوانك المسلمين، لا يكون مجتمع المسلمين مؤمناً حقاً حتى يكون كالجسد الواحد.
يقول ﷺ في حديث مسلم: “مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم ، وتَرَاحُمِهِم ، وتعاطُفِهِمْ . مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى”البخاري ومسلم.
ويقول ﷺ: “المُؤْمِنَ للمؤمنِ كالبُنْيانِ يشدُّ بَعضُهُ بعضًا”البخاري ومسلم.
من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه؟
الحديث الرابع: قوله ﷺ فيما رواه الترمذي: “من حسنِ إسلامِ المَرءِ تركُه ما لا يعنيه”، من كمال إسلام المرء وإيمانه، تركه ما لا يعنيه. ما لا يعنيه من الأقوال والأفعال. لا تتكلم إلا بخير، أنت سالم ما دمت ساكتاً، ما دمت ساكتاً فأنت في سلامة، فإن تكلمت فإما لك وإما عليك.
كل كلام ابن آدم عليه لا له، إلا ذكر الله عز وجل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسؤال عما ينفع من العلوم التي يحتاجها المسلم.
• حفظ اللسان والوقت وترك التدخل فيما لا يعني: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه من السؤال، تركه التدخل في شؤون المسلمين التي لا تعنيه، لا تتدخل في أحوال الأسر، ولا تبحث عن أخبار الناس فيما لا يعنيك، اترك الناس وادع لهم بظهر الغيب، اعف ممن ظلمك، وارحم الضعيف منهم، وادع لهم بالخير فيما تقدر؛ في صلاتك، في سجودك، ادع الله عز وجل بصلاح المسلمين.
اترك السؤال الذي لا فائدة فيه، اترك الأخبار التي لا فائدة لك منها، لا تشغل نفسك بالمواضيع التي تضيع وقتك، إنما يعرف حسن إسلام المرء بحرص المسلم على وقته، بحرص المسلم على عمره أن لا يضيع عليه سدى، أن لا تضيع الأعمار والأوقات والأيام فيما لا يجدي ولا ينفع.
فإن فعلت ذلك فأنت حسن الإسلام، فأنت كامل الإيمان، لأن الله تبارك وتعالى ما خلقك إلا لطاعته وعبادته، وما سوى ذلك ففضل زائد.