يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:

النبي كان أحسن الناس خلقًا، وقد أثنى عليه ربه سبحانه وتعالى ومدحه بهذا فقال: ( وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ )القلم/4.

ولما سُئلت السيدة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعن أبيها، عن خُلُقِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالَتْ: “كان خُلُقُه القُرآنَ”أحمد،النسائي.
كان خُلُقُه القُرآنَ ما أعظم هذه الكلمة! .. بمعنى..

-أنك لا تجد شيئًا في القرآن يأمر الله عز وجل به إلا والنبي متخلق به.

-ولا تجد شيئًا نهى الله عنه أو كرهه إلا كان النبي أبعد الناس عنه.

-فكان خلقه القرآن، كان يمتثل القرآن، كان يتبع أوامر الله عز وجل في القرآن، كأنه تمثل قرآنًا عمليًا للناس يرونه بأعينهم عليه الصلاة والسلام.

أخلاقه عليه الصلاة والسلام لا تسعها هذه الكلمات القليلات، ولنذكر طرفًا من ذلك:

أخلاقه مع أهله؟

-أخلاقه مع أهله، مع زوجاته عليه الصلاة والسلام.. كان أحسن الناس خلقًا مع أهله، كان يقول عليه الصلاة والسلام: “خيرُكُم خيرُكم لِأهْلِهِ ، وَأَنَا خيرُكم لِأَهْلِي”الترمذي. هذا حديث النبي عليه الصلاة والسلام يسمعه بعض الناس الذين هم في المجالس يكونوا مع الناس ومع الأباعد من أحسن ما يكون، ولكنهم إذا انقلبوا إلى أهاليهم تجد فيهم الغلظة والقسوة والشدة والسب والشتم.
النبي عليه الصلاة والسلام يضع لنا ميزانًا ومقياسًا للخلق الحسن، يقول: “خيركم” -خيركم عند الله- “خيرُكُم خيرُكم لِأهْلِهِ ، وَأَنَا خيرُكم لِأَهْلِي”.
كان عليه الصلاة والسلام رؤوفًا رحيمًا بأهله، كان عليه الصلاة والسلام يخدم أهله، في مهنة أهله، سَألتُ عائِشةَ رضي الله عنها ما كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَصنَعُ في بَيتِه؟ قالت: كان يَكونُ في مِهنةِ أهلِه -تَعني خِدمةَ أهلِه- فإذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ خَرَجَ إلى الصَّلاةِ”؛ في خدمتهم، أي شيء يحتاجه البيت، أي شيء يحتاج إلى إصلاح، يحتاج إلى إعانة، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة .

وكان عليه الصلاة والسلام يمازح أهله، يضحك إليهم. قال لعائشة رضي الله عنها في سفرة: “أنها كانت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في سفرٍ وهي جاريةٌ فقال لأصحابِه تقدَّموا فتقدَّموا ثم قال تعالَيْ أُسابقُكِ فسابقتُه فسبقتُه على رجلي فلما كان بعد خرجتُ معه في سفرٍ فقال لأصحابِه تقدَّموا ثم قال تعالَيْ أُسابقُكِ ونسيتُ الذي كان وقد حمَلتُ اللحمَ فقلتُ وكيف أُسابقُكَ يا رسولَ اللهِ وأنا على هذه الحالِ فقال لَتفعَلِنَّ فسابقتُه فسبقَني فقال هذه بتلكِ السَّبقةِ”أبو داود،أحمد،ابن ماجه.

-كان عليه الصلاة والسلام يقول: “أعظَمُها أجرًا الذي أنفَقتَه على أهلِك”مسلم. أعظم النفقة عند الله أجرًا دينار تنفقه على أهلك.

لا تظن أن النفقة على البعيد، آجر لك من النفقة على أهلك إذا كانوا محتاجين، أما إذا كانوا ليسوا بحاجة فالأمر يختلف، أما إذا كانوا بحاجة.. فأهلك النفقة عليهم أعظم أجرًا. هذا حديث النبي عليه الصلاة والسلام.

عدله بين زوجاته؟

أما أخلاقه عليه الصلاة والسلام وعدله بين زوجاته فأشهر من أن يُذكر، كان عادلًا عليه الصلاة والسلام كما أمره الله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ )النساء135، كن قوامًا.. كثير القيام بالقسط والعدل كما أمرك الله، شاهدًا على نفسك بالحق ولو على نفسك، ولو على أهلك، ولو على والديك، لا تشهد زورًا ولا كذبًا، ولا تحابي في الحق أحدًا. عليه الصلاة والسلام ما كان يرضى أن تُظلم زوجة إحدى زوجاته.

عن أمِّ سلمةَ أنها جاءت بطعامٍ في صَحْفةٍ لها إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصحابِه فجاءت عائشةُ مُلتفَّةٌ بكساءٍ ومعها فِهرٌ ففلقتِ الصَّحفةَ فجمع النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بين فلقَي الصَّحفةِ وقال كلوا غارَتْ أُمُّكم مرتَينِ ثم أخذ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ صحفةَ عائشةَ فبعث بها إلى أمِّ سلمةَ رضي اللهُ عنها وأعطى صحفةَ أمِّ سلمةَ لعائشةَ”.

النبي عليه الصلاة والسلام ما غضب على عائشة ولا عنفها، صبر وقال: “غارت أمكم”، ثم أخذ صحفة (صحنًا) من بيت عائشة وأرسله إلى أم سلمة وقال: “هذه بهذه. عدل منه .

وكان يقول: “وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”. لا يحابي أحدًا في حكم الله ولا في شرع الله، لا يتجاوز حدود ما أنزل الله.

رحمته بالصبيان؟

أما أخلاقه عليه الصلاة والسلام مع الصبيان، فكان رحيمًا بالصبيان.
-تأخر مرة في السجود حتى خاف بعض الناس، فرفع رأسه وإذا الحسين قد امتطى ظهر النبي .
-وجاء الحسن والحسين مرة وهم صبية صغار، أربع سنين، خمس سنين، يمشيان في المسجد وهو يخطب على المنبر، يمشيان ويعثران، فنزل حتى حملهما، فقال: صدق الله: ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ )الأنفال28.

-كان يحمل بنت بنت أمامة، يحملها إذا قام وإذا ركع، فإذا سجد وضعها وإذا قام رفعها .

-وكان يمر على الصبيان فيسلم عليهم، من يفعل هذا؟ يمر على صبيان أولاد صغار في الشارع في السكة، يقول: “السلام عليكم”، يعلّم الصبي أن له منزلة، أن له قدرًا، يعلّم هذه السنة لأبناء المسلمين وأولادهم.

أخلاقه مع خدمه؟

أما أخلاقه مع خدمه، فاسمع ما يقول أنس رضي الله عنه وأرضاه، يقول: “خدمتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم عشرَ سنينَ ، فما قال لي أُفٍّ قطُّ ، وما قال لي لشيٍء صنعتُه : لِمَ صنعتَه ، ولا لشيٍء تركتُه : لِمَ تركتَه ، وكان رسولُ اللهِ من أحسنِ الناسِ خُلُقًا ،…”البخاري،مسلم،أبو داود،الترمذي . أنس رضي الله عنه من أبناء الأنصار، لكن من حب الأنصار لرسولهم جاءت أم أنس (أم سليم) قالت: يا رسول الله هذا أنس عندك يخدمك، ووهبته للنبي عليه الصلاة والسلام، وكان النبي يستعين به في قضاء حوائجه، يقول: “ما سمعت من النبي عشر سنين كلمة أف”.

ولو نظرنا اليوم إلى تعامل بعض المسلمين وبعض المسلمات مع الخدم، إلى القسوة، إلى الشدة، إلى الظلم، إلى تكليف ما لا يطاق! أين أخلاقنا من أخلاق النبي؟

وتقول عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: “ما ضَرَبَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شيئًا قَطُّ بيَدِه، ولا امرَأةً، ولا خادِمًا، إلَّا أن يُجاهِدَ في سَبيلِ اللهِ، وما نيلَ منه شَيءٌ قَطُّ، فيَنتَقِمَ مِن صاحِبِه، إلَّا أن يُنتَهَكَ شَيءٌ مِن مَحارِمِ اللهِ، فيَنتَقِمَ للَّهِ عَزَّ وجَلَّ”مسلم.
هذا خلقه .

رحمته العامة وعفوه؟

أما رحمته عليه الصلاة والسلام العامة، فكان عليه الصلاة والسلام كما قال ربه عز وجل: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ )الأنبياء107.
جاءه بعض أصحابه فقالوا: يا رسول الله ادعُ على المشركين، قال عليه الصلاة والسلام: “إنِّي لم أُبعَثْ لَعَّانًا، وإنَّما بُعِثتُ رَحمةً”مسلم. بعض المسلمين اليوم يلعن أقرب الناس إليه؛ يلعن ابنه، يلعن امرأته.
الرسول عليه الصلاة والسلام طلبوا منه الدعاء على المشركين، قال: “إنما بُعِثتُ رحمةً”.
أهل الشرك ليسوا على درجة واحدة؛ منهم المعاند، ومنهم المحارب، ومنهم الغافل، ومنهم الجاهل، فكان النبي يتأنى.. يتأنى بالمشركين، يصبر كما صبر عليهم في مكة، صبر على قومه عليه الصلاة والسلام ثلاث عشرة سنة وهم يؤذونه.

كيف كان تعامله مع قومه؟ انظر إلى عفو النبي عليه الصلاة والسلام لما قدر على قومه بعد فتح مكة، ماذا فعل معهم؟ هل عاقبهم عليه الصلاة والسلام؟ أبو سفيان الذي أسلم في فتح مكة، كرّمه النبي عليه الصلاة والسلام مع أنه كان قائدًا لحربه، كان يحارب النبي عليه الصلاة والسلام، حاربه في معارك؛ في بدر وفي أحد وفي الخندق وغيرها، لكن كرّمه النبي عليه الصلاة والسلام وعفا عنه: وقال “مَن دخل دارَ أبي سفيانَ فهو آمِنٌ، ومَن دخل المسجدَ فهو آمنٌ، ومَن أغلق بابَه فهو آمِنٌ”أبو داود.
تكريم.. تكريم منه عليه الصلاة والسلام وعفو وصفح.

وهكذا كان موصوفًا في التوراة.عن عطاء بن يسار قال لقيتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرو بنَ العاصِ فقلتُ أخبرني عن صفةِ الرسولِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم في التوراةِ قال فقال أجل واللهِ إنَّهُ لموصوفٌ في التوراةِ ببعضِ صفتِه في القرآنِ “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وحِرزًا للأُمِّيِّينَ أنت عبدي ورسولي سمَّيتُك المتوكلُ ليس بفظٍّ ولا غليظٍ ولا صخَّابٍ في الأسواقِ ولا يدفعُ بالسيئةِ السيئةَ ولكن يعفو ويغفرُ ولن يقبضَه اللهُ تعالَى حتى يُقيمَ به المِلَّةَ العوجاءَ بأن يقولوا لا إلهَ إلا اللهُ ويفتحوا بها أعيُنًا عُمْيًا وآذانًا صُمًّا وقلوبًا غُلفًا”البخاري،أحمد. عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

تواضع النبي وزهده؟

أما تواضع النبي ، فحدث ولا حرج.
-كان لا يتميز بين الناس لا بلباس، ولا بمركوب، ولا ببيت، بل كان من عامة الناس في ذلك، بل هو أشد الناس زهدًا.
-كان يدخل الرجل المسجد ومحمد بين أصحابه، فيقول: أيكم محمد؟ لأنه ما يتميز عليهم بشيء عليه الصلاة والسلام.
-من تواضعه أن الله تبارك وتعالى خيره بين أن يكون ملكًا نبيًا أو أن يكون عبدًا رسولًا، فاختار أن يكون عبدًا رسولًا .
مجلسه وزهده في الدنيا شيء عظيم. كان يجلس على الأرض، يفترش الحصير، يفترش السجادة أو البساط اليسير، ينام على الحصير حتى يؤثر في جنبه. فراشه من أدم (من جلد) حشوه ليف، وسادته حشوها ليف . ما عرف الدنيا.
-كان يمر الهلال ثم الهلال ثم الهلال؛ ثلاثة أهلة في شهرين لا يوقد في بيته نار .
-ما كان طعامه كما سُئل؟ ما كان طعامكم يا خالة؟ ثلاثة أهلة في شهرين لا يوقد في بيتكم نار؟ قال: طعامه التمر واللبن. تمر عليه هذه المدة، تمر عليه الليالي.. الليالي المتوالية يبيت جائعًا لا يجد شيئًا يأكله.

-من زهده وتواضعه أنه كان يجيب دعوة الجميع؛ الصغير والكبير، والغني والفقير، والحر والعبد، لا يبالي في ذلك عليه الصلاة والسلام ويقول: “لَو دُعيتُ إلى كُراعٍ لَأجَبتُ، ولو أُهديَ إليَّ كُراعٌ لَقَبِلتُ”البخاري.

-ما كان متكبرًا ولا مختالًا في نفسه عليه الصلاة والسلام، بل كان قريبًا إلى الناس، كان يرحم ويعطف ويعطي ويقول عليه الصلاة والسلام لأمته من بعده: “الرَّاحِمونَ يرحَمُهم الرَّحمنُ تبارَك وتعالى؛ ارحَموا مَن في الأرضِ يرحَمْكم مَن في السَّماءِ”أبو داود،الترمذي،أحمد؛ حث على الرحمة للضعيف وللفقير وللمنكسر وللغريب، ألا تتجبر عليه. دعوة إلى الرحمة منه .

-بل هو عليه الصلاة والسلام دعا فقال: “اللهُمَّ مَنْ ولِي من أمْرِ أُمَّتِي شيئًا فَشَقَّ عليهم فاشْقُقْ علَيهِ ، ومَنْ ولِيَ من أمرِ أُمَّتِي شيئًا فَرَفَقَ بِهمْ فارْفُقْ بِهِ”مسلم. دعوة النبي مستجابة. كما تشق على غيرك يسلط الله عليك، لا تشدد على غيرك، لا تعنف، عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به. لا تظلم، لا تعتدي ولو كنت ذو سلطة، ولو كان لك مقدرة، ولو كنت ذا قوة.

اتقِ الله وتخلق بأخلاق المصطفى ، واعلم أن حسن الخلق أثقل شيء في ميزان العبد يوم القيامة.

وكان إن الله عز وجل أعد بيتًا في أعلى الجنة لمن حسن خلقه، وكان يقول : “إنَّ مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكُم منِّي مجلسًا يومَ القيامةِ أحاسنَكُم أخلاقًا”الترمذي