يقول الدكتور إبراهيم بن عبد الله الأنصاري:

إن من أوجب الواجبات على الإنسان وأهم ما يهتم به مراقبة قلبه، والتأكد من سلامته وصحته؛ فإن القلب هو محل نظر الله عز وجل، قال رسول الله ﷺ: “إِنَّ اللهَ تعالى لَا ينظرُ إلى صُوَرِكُمْ وَأمْوالِكُمْ ، ولكنْ إِنَّما ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم”مسلم وابن ماجه وأحمد.

والقلب هو أداة السير إلى الله عز وجل، به تقطع مسافات الطريق إلى الله، والله عز وجل ضمن السلامة لمن صلح قلبه، قال تعالى على لسان إبراهيم الخليل: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾الشعراء/87-89.

وكما أن الجوارح -اليد والرجل والفم والعين والأذن- كما أنها تقترف الذنوب الظاهرة، فإن القلب هو الذي يقترف الذنوب الباطنة.

وكما أن هذه الجوارح تقوم بالأعمال الظاهرة، فالقلب يقوم بالأعمال الباطنة؛ لأن القلب هو المكلف بالقيام بهذه الأعمال: الإيمان، الصدق، الاعتقاد، الوفاء، الحب والبغض، هذه الأعمال كُلف بها القلب وإنما تؤدى بالقلب.

وإذا كان القلب بهذه الأهمية، فإن الإنسان يجب عليه أن يهتم بسلامة قلبه، وأن يكون حساسًا جدًا لما يفسد قلبه وما يصلح قلبه، كما نراعي الجسم بالغذاء النافع وبالتمارين الرياضية وبغير ذلك، علينا أن نراعي القلب بالرياضات التي تقويه، وبالأعمال التي تقويه، وكما نحمي الجسم من الصدمات والإعاقات والإصابات، نحمي القلب من هذه الإصابات والإعاقات.

-وغذاء القلب هو العمل الصالح، وذكر الله عز وجل والطاعات، هذه هي التي تغذي القلب وتجعله قلبًا سليمًا.

-وإصابات القلب هي الذنوب، الذنوب التي نرتكبها بالليل والنهار، هذه هي التي تسبب الإصابات والخدوش والكسور للقلب وتعيقه عن السير، ودواء القلب التوبة والرجوع إلى الله عز وجل.

أثر المعصية على القلب وكيفية علاجها؟

القلب حساس جدًا، وسريع التأثر والتقلب، وللذنوب أثر سلبي عليه ينبغي الانتباه إليه.
القلب إذا تعاطى المعصية، أي إذا تعاطى الإنسان المعصية بجوارحه شعر القلب بوحشة، ذلك أنه المسؤول عن تحريك هذه الجوارح، فإذا وقعت المعصية:
-شعر القلب بوحشة وضيق.
-وشعر بخجل من الرجوع إلى الله.
-وشعر بوحشة من أماكن العبادة.
فإذا وقعت هذه الوحشة فإن الواجب على الإنسان أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى.

فإذا يشعر الإنسان إذا اقترف ذنبًا بثقل الرجوع إلى الله، بثقل التوبة، بثقل معاودة الطاعات، يشعر أنها ثقيلة، محرجة، هذا من وسواس الشيطان، وهذا مما يعيق إصلاح القلب كما مرارة الدواء.

-يجب على الإنسان أن يتغلب على هذا الثقل، وأن يتغلب على هذا الخجل، وأن ينطرح بين يدي الله عز وجل، وأن يجدد التوبة تلو التوبة، وليعلم أن فضل الله عز وجل أوسع ما يكون، وأنه لا يضيق عن إنسان يقول الرسول ﷺ قال الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: “يا ابنَ آدمَ ! لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأرضِ خطَايا ثُمَّ لَقِيْتَني لاتُشْرِكْ بِيْ شَيْئًَا لأتيْتُكَ بِقِرَابِها مَغْفِرَةً”الترمذي وأحمد.

ويقول النبي ﷺ قال الله تبارك وتعالى”يا ابنَ آدمَ، إنَّكَ ما دعوْتَني ورجوْتَني”، أي: ما دمْتَ تدْعونِي وتَرْجو رَحْمتي، ولمْ تَقْنَطْ “غفَرْتُ لكَ”.

فليعلم الإنسان أن هذا هو التحدي الحقيقي لقلبه، إذا أذنب رجع إلى الله عز وجل وتاب واستغفر، كلما سقط يعود إلى الله عز وجل، ويتغلب على هذا الحرج الذي في نفسه.

-هذه المقاومة هي التي تضمن سلامة القلب، كجهاز المناعة في الجسم؛ يرفع درجة الحرارة لكي يقاوم الأمراض والجراثيم، كذلك هذا الحرج يرفع درجة الحساسية بما يغضب الله عز وجل من الأعمال، هذا دوره، لكنه إذا زاد بحيث يمنع الإنسان من العودة إلى الله كان المرض عضالًا.

-وإذا سوف الإنسان وأجل التوبة أو انحرج من ذنبه، فإنه لا شعوريًا سوف يبتعد عن الطاعات وتزيد الوحشة، فإذا أراد علاجها وجد جوارحه تركن إلى ما تستأنس به، تركن إلى الشهوات، فيعاود ممارسة الشهوات مرة أخرى، فتزيد وحشة القلب، ويدخل الإنسان حينئذ في دائرة مفرغة؛ إذا أراد الأنس سلم نفسه لجوارحه ولشهواته، وإذا سلم نفسه لشهواته زادت وحشته وبعده عن الله عز وجل، وهكذا حتى يظلم القلب وتصبح التوبة شاقة عليه، وتصبح العودة إلى الله عز وجل ثقيلة عليه.

-كلما طال طريقه في المعصية كلما كانت عودته إلى الله أصعب، لذلك على العبد أن يعود إلى الله سبحانه وتعالى باستمرار.

علاج القلوب والتحذير من ران الذنوب؟

قال ﷺ: “واللهِ إنِّي لَأستَغفِرُ اللهَ وأتوبُ إليه في اليَومِ أكثَرَ مِن سَبعينَ مَرَّةً”البخاري، النبي ﷺ هكذا يعالج قلبه بالتوبة المستمرة يومياً، بل في كل لحظة؛ حتى يظل القلب سليماً.
-إذا لم يعد الإنسان، لم يتحدَّ نفسه، لم يتحدَّ خجله، واستسلم لذنوبه؛ تختلط عليه الأمور، وتتشوش عنده الرؤية، ويتحول حياؤه وخجله من الله إلى شرود عن الله.
-إذا وصل إلى هذا المستوى؛ أصبح لا يفرق بين الصواب والخطأ، لا يفرق بين ما يغضب الله وما يرضي الله عز وجل، وتختلط عليه الأمور حينئذ، فبدلاً من أن يلجأ إلى ما يصلح قلبه، من أن يلجأ إلى الله ويلجأ إلى الطاعات، بدلاً من أن يصاحب صحبة الخير، ويصاحب من يدله على الخير؛ ينهكم في شهواته، ويضل ضلالاً بعيداً، يلجأ إلى الشهوات حتى يُختم على القلب.

قال رسول الله ﷺ: “تُعرَضُ الفِتَنُ على القُلوبِ عَرْضَ الحَصِيرِ عُودًا عُودًا ، فأيُّ قلبٍ أُشْرِبَها نُكِتَتْ فيه نُكتةٌ سَوداءُ ، وأيُّ قلبٍ أنْكَرَها نُكِتَتْ فيه نُكتةٌ بيضاءُ ، حتى يصِيرَ القلبُ أبيضَ مثلَ الصَّفا ، لا تَضُرُّه فِتنةٌ ما دامَتِ السمواتُ والأرضُ ، والآخَرُ أسودَ مُربَدًّا كالكُوزِ مُجَخِّيًا ، لا يَعرِفُ مَعروفًا ، ولا يُنكِرُ مُنكَرًا ، إلا ما أُشْرِبَ من هَواه”مسلم وأحمد.

يؤذن للصلاة فلا يصلي، يدعى للطاعة فلا يطيع، يدعى للصدقة فلا يتصدق، يدعى لأعمال سيئة فيبادر إليها، وهؤلاء هم الذين قال الله عز وجل فيهم: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾المطففين/14-15.

خطورة استمراء المعاصي وواجب التوبة؟

إذا وصل الإنسان لهذه المرحلة وعلا قلبه الران، وأصبح لا ينكر المنكر ولا يعرف المعروف؛ تبدأ الممارسات الغريبة في الظهور، يبدأ الإنسان يبحث لنفسه عن عذر في المعاصي، يبدأ الإنسان في تزكية نفسه ومدحها وتبرير الخطيئة لها، فتجد من الناس في هذا الموقف أمراً عجباً!
-تجد منهم من ينكر المحرمات، وتجد منهم من يتساءل: لماذا حرم الله عز وجل هذا وهذا؟
-وتجد منهم من يرى أنه معذور فيما يرتكب من الخطايا، يعذر نفسه بانتشار المعاصي وغير ذلك.
-ويصل الأمر ببعض الناس أن يتسخط على الله عز وجل لماذا يبتليه بالمعاصي؟

-بل يصل الأمر ببعض الناس أن ينكر وجود الله عز وجل، أو ينكر الحساب والعقاب والدار الآخرة!

هذه هي نهاية الاستمرار في الذنب والمعصية.

وإذا وصل الناس إلى هذه المرحلة أصبحت المنكرات شائعة، ولا ينظر إليها على أنها منكرات، يمارسها الكثير من الناس، بل ربما تفاخر البعض وتنافسوا في العمل بالمنكرات، لا يفرقون بين المنكر الذي يأتونه بقلوبهم، والمنكر الذي يأتونه بجوارحهم.

يتنافسون في الخيلاء والفخر والكبر، يتنافسون في الظلم وتضيع الحقوق، فإذا وصلوا إلى هذا ماتت قلوبهم، وأصبحوا يبتليهم الله عز وجل بالبلايا فلا يشعرون، تصيبهم المصائب فلا يحسون، تمنع عنهم الأمطار فلا يستغفرون ولا يعودون إلى ربهم.

فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يحيي قلوبنا، وأن يبصرنا بعيوب أنفسنا، وأن يكتب لنا توبة يرضى بها عنا.