يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
إن من فضل الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة المسلمة أن فتح لها باب الرحمة، وباب العفو، وباب المغفرة والصفح، كما جاء في آيات كثيرة من كتاب ربنا سبحانه وتعالى كقوله تعالى: ( وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا )النساء/110
ويقول سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: “يا عبادي إنَّكم تُخطِئونَ باللَّيلِ والنَّهارِ وأنا الَّذي أغفِرُ الذُّنوبَ ولا أُبالي”مسلم.
وفي الحديث أيضاً عن نبينا ﷺ أنه قال: “كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاءٌ ، وخيرُ الخطَّائينَ التَّوَّابونَ”الترمذي،أحمد.
كل بني آدم خطاء، من صفة هذا الإنسان أنه خُلق خطاءً، ولو شاء الله تبارك وتعالى أن يجعلك كالملائكة الكرام الذين قال الله تعالى عنهم في كتابه: ( لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ )التحريم/6، لو شاء الله تعالى أن يجعلك كذلك لفعل، ولكنه سبحانه أراد منك أن تتوب إليه، وأن تستغفره، وأن تطلب منه الرحمة والصفح والإحسان؛ لأنه عز وجل من أسمائه الحسنى الغفور الرحيم، ويحب أن تظهر آثار رحمته وآثار مغفرته على عباده.
ما هي أسباب المغفرة وتكفير الذنوب؟
1. الإسلام يهدم ما قبله:
إن من أعظم ما يمحو الله تعالى به الذنوب والخطايا هو الإسلام، فمن كان كافراً فأسلم، محا عنه إسلامه ودخوله في هذا الدين العظيم كل ما كان اقترفه من الذنوب والخطايا والسيئات.
جاء في حديث ابن عباس في الصحيح: “- أنَّ ناسًا مِن أهلِ الشِّركِ قَتَلوا فأكثَروا، وزَنَوا فأكثَروا، ثُمَّ أتَوا مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالوا: إنَّ الذي تَقولُ وتَدعو لَحَسَنٌ، ولو تُخبِرُنا أنَّ لِما عَمِلنا كَفَّارةً، فنَزَلَ: {والذينَ لا يَدعونَ مع اللهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقتُلونَ النَّفسَ التي حَرَّمَ اللهُ إلَّا بالحَقِّ ولا يَزنونَ ومَن يَفعَل ذلك يَلقَ أثامًا} الفرقان/68، ونَزَلَ قوله تعالى: {يا عِباديَ الذينَ أسرَفوا على أنفُسِهم لا تَقنَطوا مِن رَحمةِ اللهِ}الزمر/53.
فمن كان على غير الإسلام ودخل الإسلام، هدم الإسلام جميع ما عمل من السيئات.
وجاء في حديث عمرو بن العاص قال “فلمَّا جعل اللهُ الإسلامَ في قلبي أتيْتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقلتُ يا رسولَ اللهِ ابسُطْ يمينَك لأبايعَك فبسط يدَه فقبضْتُ يدي فقال ما لك يا عمرُو قال أردْتُ أن أشترِطَ قال تشترِطُ ماذا قال أن يُغفرَ لي قال أما علمتَ يا عمرُو أنَّ الإسلامَ يهدِمُ ما كان قَبلَه وأنَّ الهِجرةَ تهدِمُ ما كان قبلَها وأنَّ الحجَّ يهدِمُ ما كان قبلَه”ابن خزيمة،مسلم.
هنيئاً لمن أصاب شيئاً من هذه الثلاث، الإسلام الحق يهدم ما قبله، والحج مع التوبة يهدم ما قبله، والهجرة إلى الله ورسوله تهدم ما كان قبلها. أما إذا أسلم وبقي على ذنب يعمله في الجاهلية فإنه لا يغفر له؛ لأنه لم يحسن في الإسلام، أما إذا أسلم وتاب من ذنوبه كلها ورجع إلى الله، غفر الله تعالى له وكفّر عنه سيئاته.
2. التوحيد الخالص:
-التوحيد يعني إفراد الله تبارك وتعالى بالعبادة، وهو من أعظم كفارات الذنوب والخطايا. جاء في الحديث القدسي أن الله تبارك وتعالى يقول: “يا ابنَ آدمَ ! إِنَّكَ ما دَعَوْتَنِي ورَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لكَ على ما كان فيكَ ولا أُبالِي يا ابنَ آدمَ ! لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنانَ السَّماءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لكَ ولا أُبالِي، يا ابنَ آدمَ ! لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأرضِ خطَايا ثُمَّ لَقِيْتَني لاتُشْرِكْ بِيْ شَيْئًَا لأتيْتُكَ بِقِرَابِها مَغْفِرَةً”. التوحيد، شهادة أن لا إله إلا الله، ولذلك من وقع في شيء من الشرك فليقل لا إله إلا الله.
-يقول ﷺ: “مَن حلَف باللَّاتِ والعزَّى فلْيقُلْ: لا إلهَ إلَّا اللهُ”البخاري،مسلم ، من حلف بغير الله فليجدد التوحيد، فليقل لا إله إلا الله.
-كثير من المسلمين اليوم، هذا يحلف بالأمانة، وهذا يحلف بأبيه، وذاك يحلف بالشرف، وهذا يحلف بفلان من الناس، فإذا تذكر فليقل لا إله إلا الله، فإنها تكفر عنه هذا الذنب وهذه الخطيئة؛ لأنها حسنة عظيمة تملأ ما بين السماء والأرض، كلمة لا إله إلا الله.
وفي الحديث أيضاً يقول ﷺ: “من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك”، إذا تشاءم ورجع عن طريقه لمجرد التشاؤم -هذا يوم إيش قال هذا يوم كذا، هذا أي تاريخ قالوا هذا تاريخ كذا، أي حال هذا رأى قطة سوداء رأى كذا رأى غراباً- فتشاءم بذلك فرجع عن حاجته فقد أشرك، قال ﷺ:” مَنْ ردَّتْهُ الطِيَرَةُ عن حاجتِهِ فقدْ أشرَكَ قالوا : يا رسولَ الله وما كفارَةُ ذلِكَ قال يقولُ ” اللهمَّ لا طيرَ إلَّا طيرُكَ ، ولَا خيرَ إلَّا خيرُكَ ، ولَا إلهَ غيرُكَ”.
لا إله إلا الله هو الذي يدبر الأمر، بيده مقاليد السماوات والأرض، وإلى الله ترجع الأمور، فعليك بالتوكل عليه سبحانه وتعالى.
3. التوبة الصادقة النصوح:
ومن كفارات الذنوب يا عباد الله: التوبة الصادقة، التوبة النصوح، وشروطها أو أركانها ثلاثة:
* الركن الأول: الإقلاع عن الذنب إن كنت تعمله.
* الركن الثاني: أن تندم على ما فعلت في الماضي وتتحسر وتبكي.
* الركن الثالث: أن تعزم على ألا تعود إلى هذا الذنب أبداً.
هذه هي التوبة الصادقة، هذه هي التوبة النصوح، وإذا كانت تتعلق بحق من حقوق المخلوقين فردّ الحق إلى أصحابه فيما استطعت، ولو وقع منك الذنب بعد ذلك، بعد التوبة الصادقة النصوح، فإنه لا يضر إن شاء الله تعالى، فهذا أيضاً من مكفرات الذنوب، مكفرات الخطايا والسيئات.
4. ذكر الله تبارك وتعالى:
-ذكر الله تبارك وتعالى يكفر عن العبد ذنبه، يكفر عن العبد خطيئته، ومن ذلك على سبيل المثال لا على سبيل الحصر، عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ:”مَن قال لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له له المُلكُ وله الحمدُ يحيي ويُميتُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ كان كمَن أعتَق أربعةً مِن ولدِ إسماعيلَ وفي روايةٍ أخرى مَن قال ذلك مرَّةً أو عَشْرَ مرَّاتٍ كان له ذلك بعَدْلِ رقبةٍ أو عَشْرِ رِقابٍ”البخاري،مسلم.
-وفي الحديث عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول الله ﷺ: “إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً ، وَبِكُلِّ تكبيرةٍ صدقةً ، وبِكلِّ تحميدةٍ صدقةً ، وبِكلِّ تهليلةٍ صدقةً ، وَأَمرٌ بِالمَعرُوفِ صَدَقَةٌ، ونَهَىٌ عنِ المنكرِ صدقةٌ”مسلم،أحمد،البخاري.
5. العفو عن الناس والصفح عنهم:
من كفارات الذنوب والسيئات العفو عن الناس، الصفح عنهم، فإن الله سبحانه وتعالى من صفاته العظيمة العفو، كما جاء في الحديث: “اللهمَّ إنَّك عفوٌ تُحبُّ العفو فاعْفُ عني”الترمذي،ابن ماجه. الجزاء من جنس العمل، إن عفوت عن عباد الله عفا الله عنك، إن غفرت لهم وسامحتهم سامحك الله سبحانه وتعالى، يقول سبحانه وتعالى: ( إِن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا )النساء/149
ربنا سبحانه وتعالى من صفته العفو مع القدرة على الانتقام، أنت قد تكون غير قادر على أخذ حقك ولا على الانتقام، لكن الله عز وجل يعفو مع قدرته على خلقه، مع أنه يستطيع أن يقلب الأرض بمن فيها، ولكنه سبحانه وتعالى يحلم عن عباده ويعفو عنهم. وجاء في الآية قوله تعالى: ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّلهُ )المائدة/45
لو جرحك جارح فعفوت عنه يقول الله تعالى: ( فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ ) -تصدقتُ بمظلمتي عليك- ( فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ).
وكان فيمن تكلم في عِرض عائشة أم المؤمنين رجل من المهاجرين اسمه مسطح بن أثاثة، وكان أبو بكر رضي الله عنه ينفق عليه، يتصدق عليه لأنه من فقراء المهاجرين، فلما بلغه أن هذا رجل تكلم في عرض ابنته قال: والله لا أنفق عليه ديناراً واحداً. فنزلت قول الله سبحانه وتعالى: ( وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )النور/22، قال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي. فعفا عنه وأجرى عليه الصدقة مرة أخرى، فإن غفرت للخلق غفر لك الخالق جل جلاله وتقدست أسماؤه.
6. الصبر على البلاء والهموم والأمراض:
ومن ذلك الصبر على الهموم وعلى الغموم وعلى الأمراض وعلى الفقر، بل الشوكة إذا أصابتك في يدك يكفر الله تبارك وتعالى بها من سيئاتك ويغفر الله لك بها. أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دَخَلَ على أُمِّ السَّائِبِ -أو أُمِّ المُسَيِّبِ- فقال: ما لَكِ يا أُمَّ السَّائِبِ -أو يا أُمَّ المُسَيِّبِ- تُزَفزِفينَ؟ قالتِ: الحُمَّى، لا بارَكَ اللهُ فيها، فقال: لا تَسُبِّي الحُمَّى؛ فإنَّها تُذهِبُ خَطايا بَني آدَمَ كما يُذهِبُ الكيرُ خَبَثَ الحَديدِ.
كل ما أصابك من تعب، من نصب، من همّ، من غمّ، فإن الله تبارك وتعالى يكفر بها عنا ذنوبنا وخطايانا.