يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
إن لله تبارك وتعالى في هذا الكون آيات عظيمة، وبراهين جليلة، وأدلة قاطعة على ربوبيته وألوهيته، وكمال علمه وقدرته جل جلاله وتقدست أسماؤه. وقد دعانا الله عز وجل في كتابه إلى التفكر في الآيات الكونية، والآيات القرآنية أيضاً، فالله عز وجل يدعو عباده إلى النظر في الآيات والتفكر فيها.
-من ذلك قوله سبحانه وتعالى: ( أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ )الغاشية:17-20.
-ويقول سبحانه وتعالى: ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ )آل عمران:190.
اختلاف الليل والنهار يتعاقبان ويختلفان، تارة يطول هذا ويقصر هذا، وتارة يقصر هذا ويطول هذا، فمن الذي ينظر ويتفكر ويتدبر هذه الآيات؟ هم أهل الألباب، أصحاب العقول النيرة، أصحاب الفطر المستقيمة، أهل الإيمان وطاعة الرحمن.
–والله عز وجل يذكر في كتابه كثيراً هذه الآيات، قال تعالى: ( وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ )الذاريات:20-21، لو أراد الإنسان أن يتفكر في خلق نفسه، لوجد فيه من الآيات والعبر ما يفوق العد والحصر.
آيات وأسباب إنزال الغيث والمطر؟
الله سبحانه وتعالى ذكر من آياته إنزال الغيث والمطر من السماء، آية عظيمة متجددة من آيات الله سبحانه وتعالى، التي تدل على كمال قدرته سبحانه وتعالى، وسعة رحمته، فإن إنزال الغيث، وإنبات الأرض بعد جدبها وقحطها، وسقي الناس، آية من آيات رحمة الله، وعلامة من علامات رحمة الله عز وجل.
أولا – إنزال المطر دليل على كمال قدرة الله عز وجل، قال تعالى: ( اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ )الروم:48.
الله عز وجل يرسل الرياح تبشر بقدوم المطر، ويسوق السحاب بواسطة هذه الرياح، ويبسطه ويتمدد في السماء كيف يشاء الله عز وجل، ويجعله كثيفاً كسفاً، أي طبقات، وينزل من خلاله الودق الذي هو حبات المطر.
-لو شاء الله عز وجل لأنزل المطر سيلاً عارماً، ولكن هذا فيه ضرر على الناس، وفيه فساد لمعيشتهم، فكان من رحمة الله عز وجل أن أنزل الماء من السماء حبات وقطرات، حتى لا يتضرر أهل الأرض بذلك، وهذه من رحمة الله سبحانه وتعالى.
ثانيا – الرياح والمطر من رحمة الله وحكمته، قال سبحانه وتعالى: ( وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا )الفرقان:48، تسمى هذه الرياح بالمبشرات، وفيها حكمة، أن الناس لو فاجأهم المطر ربما تضرروا، فكان من الحكمة أن يرسل الله عز وجل الرياح، ويرى الناس السحاب، فيستعدوا للمطر، هذا من رحمة الله سبحانه وتعالى.
هذا الماء النازل من السماء ماء عظيم مبارك طهور، من أنقى المياه، يشرب منه الناس، ويسقون زروعهم، وتشرب منه الأنعام، وهو ماء مبارك كما وصفه رب العالمين.
-وكان من هدي النبي ﷺ إذا نزل المطر، خرج وحسر عن ذراعه عليه الصلاة والسلام ليصيبه المطر، ويقول ﷺ: “إنه حديث عهد بربه”رواه مسلم، نازل من السماء، وربنا سبحانه وتعالى في السماء وفي العلو، فقال: “إنه حديث عهد بربه”.
ثم قال تعالى: ( لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا )الفرقان:49-50.
يسقي الله الأرض الميتة الجرداء السوداء، ليس فيها نبات، ولا خضرة، ولا زهر، ولا شيء، يحييها الله بهذا الماء، ويسقي الله عز وجل بهذا المطر النازل من السماء الناس والبهائم والأنعام، يسقون ويشربون. ولقد صرفناه ليتذكروا فأبى أكثر الناس
قال تعالى: ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ) ولقد صرف الله المطر بين عباده ليتذكروا، فتمطر السماء هذه البلدة، والتي بجانبها لا يصيبها المطر، ليتذكروا وليتعظوا، قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما: ما من عام أمطر من عام، المطر في كل عام سواء، ولكن يصرفه الله عز وجل، فربما مر السحاب على بلد فلم تنزل قطرة، ثم يتحول إلى بلدة أخرى، فيفرغ هذا الماء، ليتذكر العباد، وليرجعوا أعمالهم.
ثالثا – الاستغفار والتوبة من أسباب نزول المطر، فإن الذنوب تمنع القطر من السماء، قال نوح عليه الصلاة والسلام لقومه: ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا )نوح:10-12.
ذكرهم بالاستغفار، وبالتوبة إلى الله سبحانه وتعالى الواحد القهار، وأخبرهم بثمرات التوبة والاستغفار، من حصول المطر والخصب، وكثرة المال، والبركة في البنين، والجنات والأنهار.
وجاء في حديث النبي ﷺ عند ابن ماجة: “وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء”، إذا بخل الناس بالزكاة الواجبة التي أوجبها الله عز وجل عليهم في أموالهم، منعوا القطر من السماء.
وهل الزكاة تضرك يا عبد الله؟ الذي يعطيك مئة يأخذ منك اثنين ونصف فقط، ماذا أخذ منك ربك سبحانه وتعالى، وهو سبحانه وتعالى هو الذي أعطاك، هو الذي رزقك، هو الذي أغناك، فتحبس الزكاة التي أوجبها الله عز وجل في كتابه على عباده، وقد قرنها الله عز وجل بالصلاة في عشرات المواضع من القرآن كما قال تعالى: ( وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ )، فالزكاة حق المال، فإذا بخل الناس بها وأمسكوا، فإن الله عز وجل يمسك عنهم القطر من السماء.
رابعا – شكر النعمة سبب لزيادتها، فإن الله سبحانه وتعالى مع ذنوب عباده، ومع ظلمهم، ومع تعديهم حرماته، ومع كثرة معاصيهم، إلا أنه سبحانه وتعالى يرزقهم، فإنه هو البر الرحيم بعباده، ورحمته وسعت كل شيء، ورحمته سبقت غضبه، لكن لا يغتر العبد، لا يجوز للعبد أن يغتر برزق الله ولا بنعمه إذا كثرت بين يديه، وعليه بالتوبة والاستغفار في طرفي الليل والنهار.
وعليه بشكر نعمة الله عليه، قال عز وجل: ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ )إبراهيم،7، فشكر النعمة وذكرها، والاستعانة بها على طاعة الله، هو من أسباب زيادة هذه النعمة.
ما علاقة المطر بالبعث وإحياء الموتى؟
-إحياء الأرض بعد موتها دليل على قدرة الله سبحانه وتعالى التي لا يعجزها شيء، وقد ذكر الله عز وجل هذا الدليل في معرض بيان قدرته سبحانه وتعالى على إحياء الناس يوم القيامة، بعد أن صاروا رميماً وتراباً.
قال عز وجل: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )فصلت:39.
-الأرض الخاشعة ما فيها حركة، ولا نبات، ولا شيء، ميتة، فإذا أنزل الله عليها الماء اهتزت وربت، والذي أحيا الأرض بعد موتها قادر على أن يحيي هذا الإنسان الضعيف، فإن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، أيهما أعظم؟ خلق السماوات التي لا يعلم الإنسان مداها واتساعها وأبعادها، أم خلق الأرض، أم هذا الإنسان الضعيف الذي يحييه الله سبحانه وتعالى.
وقال عز وجل في كتابه عن المطر: ( رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَٰلِكَ الْخُرُوجُ )ق:11، أي كما يخرج النبات من الأرض بعد نزول المطر، يكون خروج الناس يوم القيامة من قبورهم.
–وجاء في حديث مسلم أن الله عز وجل إذا أراد البعث، ينزل من السماء ماء، فتنبت منه أجساد الناس في قبورهم، كما ينبت النبات، فإذا اكتمل الجسد نفخ في الصور، فجاءت الأرواح، وسكنت هذه الأجساد، وقام الناس لرب العالمين، آية عظيمة من آيات الله سبحانه وتعالى.
الرعد والبرق على ماذا يدل؟
إن في المطر آيات عظيمة، من ذلك الرعد والبرق، الذي أحياناً يخلع الأفئدة من شدته وقوته وهيبته وخوف الناس منه، الله عز وجل جعل ذلك تذكيراً للعباد أنهم في قدرة الله وتحت مشيئته، وهذا شيء من قدرة الله وقوة الله سبحانه وتعالى.
قال ربنا عز وجل: ( هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ )الرعد:12-13.
يسبح الرعد بحمد الله، وتسبح الملائكة من خيفته، الملائكة العظام تسبح وأنت غافل في اللهو وفي اللعب، يسبح الرعد بحمد الله، والملائكة من خيفته، ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء، وهو شديد المحال جل جلاله وتقدست أسماؤه.
الله عز وجل أهلك أمة بصيحة، فأصبحوا في دارهم جاثمين، لا حراك لهم، وثبت في الحديث الصحيح عند أحمد أن اليهود سألوا النبي ﷺ عن الرعد، فقال ﷺ: “هو ملك من ملائكة الله، بيده مخراق من نار”، أي بيده كالعصا من نار، وهي البرق الذي نراه، يسوق بها السحاب أو يزجر بها السحاب، قالوا فما هذا الذي نسمع؟ قال: “هو صوته”، هذا صوت الملك الذي يزجر السحاب بأمر الله تبارك وتعالى.