قال تعالى : ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ )الأنعام74.
اختلف العلماء في هذه الآية إلى أقوال كثيرة :
1- قال بعض المفسرين : إن لوالد إبراهيم عليه السلام اسمين ، آزر ، و ” تارح “، كما روى الطبري في ” جامع البيان ” عن سعيد بن عبد العزيز قال : هو ” آزر ” ، وهو ” تارح ” ، مثل ” إسرائيل ” و ” يعقوب ” .
وقال كثير من المفسرين إن أبا إبراهيم اسمه بالسريانية تارح وبغيرها آزر .
2- وصرح بعضهم بأن ” آزر ” اسم صنم ، كما قال مجاهد : آزر لم يكن بأبيه ، إنما هو صنم . رواه الطبري من طريقين عنه.
3- وجوز الطبري أيضا أن يكون ” آزر ” لقبا لوالد إبراهيم ، وليس اسما ، ونقله بعض المفسرين عن مقاتل بن سليمان، وفي معنى هذا اللقب ” آزر ” أقوال كثيرة .
إلى آخر التأويلات والتخريجات التي لا يقوم عليها دليل .
وجاء في الحديث الشريف الذي يرويه الإمام البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ :”يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ ، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ : أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لاَ تَعْصِنِي ؟ فَيَقُولُ أَبُوهُ : فَالْيَوْمَ لاَ أَعْصِيكَ . فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ : يَا رَبِّ ، إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لاَ تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ، فَأَي خِزْىٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الأَبْعَدِ ؟! فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ ، ثُمَّ يُقَالُ : يَا إِبْرَاهِيمُ مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ ؟ فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُلْتَطِخٍ ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ”.
ما هو حكم أهل الفترة بشكل عام؟
حكم من مات في زمن الفترات، ولم تبلغه دعوة رسول الله ﷺ فالله سبحانه أعلم به،واسم الفترة، لا يختص بأمة دون أمة، كما قال الإمام أحمد
والصحيح من أقوال العلماء أن أهل الفترة يمتحنون يوم القيامة ويؤمرون، فإن أجابوا وأطاعوا دخلوا الجنة، وإن عصوا دخلوا النار، وقد جاء في هذا عدة أحاديث:
عن أبي هريرة رضي الله عنه، وعن الأسود بن سريع التميمي وعن جماعة، كلها تدل على أنهم يمتحنون يوم القيامة ويخرج لهم عنق من النار ويؤمرون بالدخول فيه، فمن أجاب صار عليه برداً وسلاماً، ومن أبى التف عليه وأخذه وصار إلى النار نعوذ بالله من ذلك.
فالمقصود: أنهم يمتحنون فمن أجاب وقبل ما طلب منه وامتثل دخل الجنة ومن أبى دخل النار، هذا هو أحسن ما قيل في أهل الفترة.
أهل الفترة بين بعثة عيسى عليه السلام ومحمد ﷺ؟
وأما أهل الفترة الذين هم قوم كانوا بين رسولين فلم يدركوا الأول، ولا أدركوا الثاني، فاختلاف العلماء فيهم إنما هو فيما اندرس من الشرائع وخفيت فيه الأحكام على هؤلاء القوم، فذهب فريق إلى أن الأصل فيما اندرست أحكامه هو الإباحة، وقال فريق هو الحظر، وقال فريق بالوقف وهذا الخلاف بين أئمة أهل السنة في حكم هؤلاء بعد البعثة وكل فريق من هذه الفرق يستند في قوله إلى الدليل الشرعي.
ومن ذلك يعلم أن أهل الفترة الذين ولدوا بعد عيسى عليه الصلاة والسلام وقبل بعثة النبي ﷺ مكلفون بالإيمان والتوحيد بمجرد بعثة آدم، خصوصا وأن رسالة سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام كانت عامة، ولم تنسخ إلا فيما خالفها مما يتعلق ببني إسرائيل في شريعتهم، فمن كان منهم مؤمنا بالله وحده كان ناجيا، ومن لم يكن مؤمنا أو ارتكب قتل النفس بغير حق كان عاصيا مخلدا في النار إن كان كافرا وإلا فلا.
والدا النبي ﷺ؟
جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه: أن رجلاً قال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: في النار، فلما ولى دعاه، فقال: إن أبي وأباك في النار.
واحتج العلماء بهذا على أن أبا النبي ﷺ كان ممن بلغته الدعوة وقامت عليه الحجة، فلهذا قال: في النار، ولو أنه كان من أهل الفترة لما قيل له هذا، وهكذا لما أراد أن يستغفر لأمه عليه الصلاة والسلام نهي عن ذلك، نهي أن يستغفر لها ولكنه أذن له أن يزورها، ولم يؤذن له في الاستغفار لها.
فهذا يدل على أنهما بلغتهما الدعوة، وأنهما ماتا على دين الجاهلية على دين الكفر، وهذا هو الأصل في الكفار أنهم في النار، إلا من ثبت -والله يعلم أحوالهم- أنه لم يبلغه الأمر ما بلغته دعوة الرسل فهذا هو صاحب الفترة، من كان في علم الله أنه لم تبلغه الدعوة فالله سبحانه وتعالى أحكم الحاكمين، هو الحكم العدل، فيمتحنون يوم القيامة.