جاءت الكثير من آيات القرآن الكريم مرشدة إلى الإخلاص فقد قال الله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) [البينة:5].
ولا يقبل الله من العمل إلا ما كان له خالصاً، قال تعالى: (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) [الزمر:3].
وفي الحديث القدسي الذي رواه مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال الله تعالى: “أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه” ويقول فيما رواه البخاري ومسلم: “من سمَّع سمع الله به، ومن راءى رَاءَى الله به

فالمقصود من الإخلاص هو إرادة وجه الله تعالى بالعمل، وتصفيته من كل شوب ذاتي أو دنيوي، فلا ينبعث للعمل إلا لله تعالى والدار الآخرة.وأساس إخلاص العمل: تجريد ” النية ” فيه لله تعالى.

وقد تكلم الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه القيم (إحياء علوم الدين) عن الإخلاص فقال:

اعلم أن كل شيء يتصور أن يشوبه غيره، فإذا صفا عن شوبه وخلص عنه سمى خالصًا ويسمى الفعل المصفى المخلص إخلاصًا، قال الله تعالى: (مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ) (النحل: 66)، فإنما خلوص اللبن أن لا يكون فيه شوب من الدم والفرث، ومن كل ما يمكن أن يمتزج به، والإخلاص يضاده الإشراك، فمن ليس مخلصًا فهو مشرك، إلا أن الشرك درجات، فالإخلاص في التوحيد يضاده التشريك في الإلهية، والشرك منه خفي، ومنه جلي، وكذا الإخلاص، والإخلاص وضده يتواردان على القلب، فمحله القلب وإنما يكون ذلك في القصود والنيات.
” وقد ذكرنا حقيقة النيَّة، وأنها ترجع إلى إجابة البواعث، فمهما كان الباعث واحدًا على التجرد سمى الفعل الصادر عنه إخلاصًا. بالإضافة إلى المنوي، فمن تصدق وغرضه محض الرياء فهو مخلص، ومن كان غرضه محض التقرب إلى الله تعالى فهو مخلص، ولكن العادة جارية بتخصيص اسم الإخلاص بتجريد قصد التقرب إلى الله تعالى عن جميع الشوائب، كما أن الإلحاد عبارة عن الميل، ولكن خصصته العادة بالميل عن الحق، ومن كان باعثه مجرد الرياء فهو معرض للهلاك، ولسنا نتكلم فيه، إذ قد ذكرنا ما يتعلق به في كتاب الرياء من ربع المهلكات.

حقيقة الإخلاص عند بعض علماء السلوك:
اختلفت عبارات أهل السلوك – على عادتهم – في تحديد ماهية الإخلاص، فكل منهم نظر إلى جانب، أو لفت إلى معنى من معانيه، أو أكد ما ذكره الآخر، وإن كانت العبارة مغايرة.
قال الأستاذ أبو القاسم القشيري في ” رسالته “:
الإخلاص: إفراد الحق سبحانه في الطاعة بالقصد، وهو: أنه يريد بطاعته التقرب إلى الله سبحانه دون أي شيء آخر؛ من تصنع لمخلوق، أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق، أو معنى من المعاني سوى التقرب به إلى الله تعالى، ويصح أن يقال: الإخلاص تصفية الفعل من ملاحظة المخلوقين.
ويصح أن يقال: الإخلاص: التوقي عن ملاحظة الأشخاص.
وقال شيخ القوم الجنيد: الإخلاص: سر بين الله وبين العبد، لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوى فيميله.
وقد ورد في ذلك حديث قدسي ذكره القشيري بسنده عن رب العزة قال: (الإخلاص سر من سري، استودعته قلب من أحببت من عبادي) (انظر: ” الرسالة ” للقشيري تحقيق الدكتور عبد الحليم محمود، ومحمود بن الشريف: (443/1)، وقد ذكر الحافظ العراقي في تخريج ” الإحياء “: أن إسناد الحديث ضعيف).
وقال أبو عثمان: الإخلاص: نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى فضل الخالق.
وقال حذيفة المرعشي: الإخلاص: أن تستوي أفعال العبد في الظاهر والباطن.
وسئل بعضهم عن الإخلاص، فقال: ألا تُشهد على عملك غير الله عز وجل.
وقال ذو النون: ثلاث من علامات الإخلاص: استواء المدح والذم من العامة، ونسيان رؤية الأعمال في الأعمال، ونسيان اقتضاء ثواب العمل في الآخرة.
وقال سهل بن عبد الله: لا يعرف الرياء إلا مخلص (انظر هذه الأقوال في الرسالة (443/1 – 446).

أربعة أمور تعين على الإخلاص:
1/ استحضار عظمة الله، وأن النفع كله بيده، فإن حياة الإنسان وصحته وهواءه وماءه وأرضه وسماءه بيد الله، وليس لأحد تصرف في صغير ولا كبير حتى يقصد بالعمل أو بشيء منه، قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ) [الأعراف:194].
وقال تعالى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) [فاطر:13-14].
2/ مجاهدة النفس على الإخلاص، فقد قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت:69].
3/ العلم بخطر الرياء، فقد حذر الله منه بقوله: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الزمر:65].
4/ الإستعانة بدعاء الله سبحانه بأن يوفق العبد للإخلاص، وقد علمنا النبي دعاءً نتخلص به من الرياء، فقد روى الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري قال: خطبنا رسول الله ذات يوم، فقال: أيها الناس: اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل، فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه؟ وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله، قال: “قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئاً نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه” وكان رسول الله يدعو الله بقوله: “اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وعمل لا يرفع، ودعاء لا يسمع” رواه أحمد.
وثبت عنه أنه دعا بقوله: “اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة” رواه ابن ماجه عن أنس بسند صحيح.
أهـ