يقول الشيخ الدكتور محمد الحمود النجدي:
إن الله سبحانه وتعالى قد أمرنا بالاستقامة إلى حين الخروج من الدنيا، قال سبحانه وتعالى: ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ )الحجر99، واليقين هو الموت، فليس لطاعة المسلم نهاية ولا غاية إلا بخروجه من الدنيا، ورب رمضان هو رب كل الشهور والأعوام والسنين، رب اليوم وغدا ورب الشهر القادم، هو الله الذي أمرك الاستقامة، ( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ) انتبه يقول الله تعالى استقم كما أمرت، يعني الاستقامة ما هي اختراع من عندنا، ليس نحن الذين نخترع الاستقامة، الاستقامة مبينة بالصلاة، وبالزكاة، وبالصيام، وبترك ما حرم الله، ليس بعبادات مخترعة، قال الله تعالى: ( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا )هود112، أي لا تجاوز الحد، ولا تقع في الغلو والمبالغة، فالإنسان مأمور بالاستقامة على أمر الله كما أمره الله عز وجل.
المحروم من أدرك رمضان ولم يغفر له؟
يمضي شهر رمضان بأيامه ولياليه، فاز فيه من فاز، وردَّ فيه من رد، كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: من هذا المقبول منا فنهنئه، ومن هذا المردود منا فنعزيه، فأيها المقبول هنيئاً لك، وأيها المردود جبر الله مصيبتك.
رمضان من أدركه فلم يُغفر له فهذا محروم، بل هو أقرب إلى الطرد من رحمة الله، فإن النبي ﷺ صح عنه أنه جاءه جبريل فقال له: قل آمين، فقال: قلت آمين، فقال: “مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَانْسَلَخَ مِنْهُ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَأَبْعَدَهُ اللهُ”أخرجه ابن حبان والحاكم، يا صاحب الذنب، يا صاحب المعصية، إذا أدركت شهر الرحمة إذا أدركت شهر المغفرة والعتق من النار فلم يُغفر لك، فمتى يُغفر لك؟ ومتى يرحمك الله؟ ومتى يُعتقك من عذابه والنار؟ والعياذ بالله.
كيف يحقق الإنسان دوام الاستقامة؟
أولاً – اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء: يدعُ الله عز وجل أن يثبته، الرسول ﷺ كان دائماً يقول: “يا مُقَلِّبَ القُلوبِ ثَبِّتْ قَلبي على دِينِكَ”الترمذي، فلاحظ الصحابة رضي الله عنهم هذا الأمر فقالوا: يا رسول الله، دائماً تقول “يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك”، آمنا بك وبما جئت به، أفتخاف علينا؟ قال: “نعم، إنَّ القُلوبَ بين إصبعينِ مِن أصابعِ الرحمنِ يُقَلِّبُها كيفَ يشاءُ”الترمذي.
فانتبه دائماً لقلبك، واسأل الله عز وجل الثبات، وادعُ الله عز وجل : ( رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ )آل عمران8،فالاستقامة تتحقق بالدعاء والالتجاء إلى الله عز وجل والدعاء من أكرم العبادات على الله عز وجل.
ثانياً – التزام الفرائض: لا تُضيع فريضة من الفرائض، لأن تضييع الفرض سبب لزيغ القلب وانصرافه عن الاستقامة، قال الله عز وجل عن أهل الكتاب: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا )النساء66-68، تمسك بصلاتك، تمسك بفريضتك، لا تُضيع فرائض الله، ولا تقتحم حرمات الله عز وجل.
ثالثاً – الصبر: الاستقامة على دين الله تحتاج إلى الصبر، أنت مبتلى في هذه الدنيا بالشهوات، مبتلى بترك الشهوات لله عز وجل، والصبر على طاعة الله، بعض العبادات تحتاج إلى مجاهدة، قيامك من النوم وحضورك إلى المسجد هذه مجاهدة، تركت شيئاً تحبه لأجل ما يحب الله عز وجل ويرضى، فلا بد من الصبر قال الله تعالى: ( وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ )الأنفال46، الله معك إذا صبرت لله فإن الله معك، ومعية الله هنا معية تأييد وإعانة ونصرة، فالله مع الصابرين إذا صبروا لله عز وجل وتركوا ما حرم الله عز وجل، ولو وجدوا في ذلك ألمًا ومشقة، فإنهم يؤجرون على هذا لأنهم من الصابرين، وجاء في الحديث قال ﷺ: “ومَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وما أُعطِيَ أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسعَ مِن الصَّبرِ”البخاري،مسلم، ويقول ﷺ: “- من يستعففْ يعفَّه اللهُ، ومن يستغنِ يغنهِ اللهُ، ومن يتصبَّرْ يصبرْه اللهُ، وما أُعطيَ أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسعُ من الصبرِ”البخاري،مسلم.
فاصبروا عباد الله عز وجل فإن الدنيا ساعة ما هذه الدنيا إلا ساعة وتنقضي.
رابعاً – مراقبة الله عز وجل في السر والعلن: لا تجعل الله عز وجل أقل الناظرين إليك، أو أهون الناظرين إليك،لا، ينظر الله لك ولو في ظلمة الليل، لا يخفى على الله خافية، انتبه لنفسك واحذر ذنوب الخلوات، جاء عن السلف أنهم قالوا: إن ذنوب الخلوات من أعظم أسباب الانتكاسات، والانتكاسة تعني أن يترك الإنسان طريق الهدى والخير والحق، وينقلب إلى طريق الردى والباطل والضلال.
سبب ذلك بعض الناس تستغرب لماذا انتكس، لا بد أن له ذنبًا كان يخفيه عن الناس يفعله سرًا، فكان هذا والعياذ بالله سببًا في انتكاسته.
– كما أن الطاعة في الخفاء من أعظم أسباب الثبات على دين الله عز وجل، أن يطيع الإنسان الله عز وجل ولا يشعر به أحد، يتصدق سراً، ويعمل المعروف سراً، ويصلي من الليل سراً، ويصوم النافلة لا يدري به أحد، هذا من أعظم أسباب الثبات على دين الله عز وجل.
خامساً – قراءة القرآن: الله عز وجل جعل القرآن سبباً للثبات على الطريق الصحيح والهدى، قال الله تعالى: ( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ )إبراهيم27، فالله تعالى أنزل القرآن على قلب محمد ﷺ وثبته به، ثبته بالقرآن في أمة كافرة تعاديه، أكثر قومه كانوا يعادونه ويخالفونه ويحاربونه، وهو ثابت على دينه، بما يوحي إليه ربه سبحانه وتعالى من كلمات نورانية وآيات قرآنية.
ما هي ثمرات الاستقامة على دين الله؟
أجمل الله عز وجل ثمرات الاستقامة في قوله: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ )فصلت30، ولا بد من الإيمان ثم الاستقامة، كما قال ﷺ: “قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ”مسلم.
( تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ )، قال بعض أهل التفسير: إن المؤمن إذا حضرته الوفاة، جاءته ملائكة الرحمة، وجلست أمامه، وبشرته بهذه البشرى العظيمة لا تخاف، الإنسان أعظم شيء يخاف منه هو الموت: ( أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا )، في هذه اللحظات يزيغ الفؤاد والقلب وتضطرب النفس، الإنسان في هذه اللحظات مقبل على شيء عظيم فيه خوف، فتتنزل عليه ملائكة الرحمن: لا تخاف ولا تحزن على ما تترك من مال، وأهل، وزوجة، وقرابة، وصاحب، وحبيب، فإنك على خير عظيم، وأبشر بالجنة التي كنت توعد.
( نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ )فصلت31، الله وليك، ومن كان الله عز وجل وليه، لا يُغلب ولا يُهزم ولا يُخذل ولا يحزن، لأن الله عز وجل معه، والجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.كما يقول اللهُ تعالى : “أعددتُ لعبادي الصالحينَ ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ”.